تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٢٨ - إشكال الأُستاذ
لكن استصحاب الكلّي هنا لا تتوفّر فيه هذه الضابطة، لأنّ هذا الكلّي الذي يراد إجراء الاستصحاب فيه- و هو الجامع الانتزاعي بين الوجوب النفسي و الوجوب الغيري- ليس بمجعولٍ شرعي، إذ المجعول من قبل الشارع إمّا الوجوب النفسي أو الوجوب الغيري [١]، و لا هو موضوع لحكم شرعي كما لا يخفى، و هل هو موضوع للحكم العقلي على ما ذكر؟ كلّا ... و ذلك: لأنّ الحكم العقلي إنّما يتحقّق في الجامع بين الواجبين النفسيّين و إنْ كان جامعاً انتزاعيّاً، لأنّ موضوع حكمه هو استحقاق العقاب على المخالفة، فلو كان واجبان نفسيّان تردّد أمرهما بين مقطوع الزوال و مقطوع البقاء، جرى استصحاب الكلّي الجامع بينهما، و أفاد وجوب الإتيان بالجامع و ترتيب الأثر عليه، لحكم العقل باستحقاق العقاب على المعصية.
أمّا في محلّ البحث، فأحد الوجوبين نفسي و الآخر غيري، و الواجب الغيري لا يحكم العقل باستحقاق العقاب على تركه، فإحدى الحصّتين من الكلّي غير محكومة بحكم العقل باستحقاق العقاب على تركها، فكيف يتمّ إجراء الاستصحاب في الجامع لتحقيق الحكم العقلي؟
فتلخّص: عدم تماميّة الاستصحاب في الكلّي الانتزاعي أي: الوجوب الجامع بين النفسي و الغيري. نعم، لو صحّ جريانه في الفرد المردّد لتمّ ما ذكره المحقّق الإيرواني، لكنّه أجلّ شأناً من أن يقول بذلك.
[١] و الفرق بين الأمر الخارجي الواقعي و الأمر الاعتباري هو: إنّ الكلّي قابل للجعل بتبع جعل الفرد له، فجعل زيد هو جعلٌ للإنسان أيضاً، إذ الكلّي الخارجي موجود بوجود فرده. أمّا الاعتباري فليس له طبيعي أي الجنس، و ليس له فرد أي النوع، حتى يجعل له الكلّي، بل الجامع في الاعتبارات هو الجامع الانتزاعي العقلي.