تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٢٢٢ - المقدمة الخامسة
لا أن يكون أصل وجود الخطاب رافعاً- كما تقدّم- فإن التزاحم ينتفي حينئذٍ و لا يبقى موضوع للترتب، لأنه فرع التزاحم بين الخطابين، فلا بدّ من وجوده حتى نرى هل يرتفع باشتراط أحدهما بعصيان الآخر أو لا؟
ثم إن هنا قاعدةً و هي: إنه لو حصل خطاب في موضوع خطابٍ آخر، فإمّا أن يمكن اجتماع متعلّقي الخطابين، فلا بحث، كما لو جاء في موضوع وجوب الصّلاة،- و هو أوّل الفجر- وجوب الصّوم أيضاً، فيكون أوّل الفجر موضوعاً لكليهما و لا تمانع بينهما، و إمّا لا يمكن و يقع التمانع، فعلى الحاكم لحاظ الملاكين و تقديم الأهم و إلّا فالتخيير.
فإن كان لكلٍّ من المتعلّقين ملاك تام و وقع الإشكال في مرحلة الخطاب، من حيث القدرة و عدمها عند المكلّف على الامتثال، كان أحد الحكمين رافعاً لموضوع الآخر بامتثاله، لفرض عدم القدرة على امتثالهما معاً، و بقطع النظر عن الامتثال يكون الموضوع باقياً، إلّا أن القدرة الواحدة لا تفي لامتثال الحكمين. فإن لزم من الجمع بينهما طلب الجمع بين الضدين، فلا مناص من الأخذ بالأهم و ينعدم الخطاب بالمهم، أما إن كانا متساويين و لا أهم في البين، فالخطابان كلاهما ينعدمان و يستكشف خطاب واحد تخييري، و إن لم يلزم منهما طلب الجمع بين الضدّين- و المفروض وجود الملاك التام لكلّ منهما- وجب وجودهما ... و هذا معنى قولهم: إن إمكان الترتّب مساوق لوجوبه.
إنما الكلام- كلّ الكلام- في إثبات عدم لزوم الجمع. و قد أقام الميرزا ثلاثة براهين على ذلك.
و قد ذكر قبل الورود في المطلب ما هو المنشأ للزوم الجمع بين الضدّين، فقال: بأنّ المنشأ لهذا المحذور هو أحد أُمورٍ ثلاثة: