الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥٥ - ١٨٢٥- رد على المحتجّين لإنكار استراق السمع بالقرآن
هذا كثير. فكيف يعودون إلى استراق السّمع، مع تيقنهم بأنّه قد حصّن بالشهب.
و لو لم يكونوا موقنين من جهة حقائق الكتاب، و لا من جهة أنّهم بعد قعودهم مقاعد السّمع لمسوا السّماء فوجدوا الأمر قد تغيّر-لكان في طول التّجربة و العيان الظّاهر، و في إخبار بعضهم لبعض، ما يكون حائلا دون الطّمع و قاطعا دون التماس الصّعود.
و بعد فأي عاقل يسرّ بأن يسمع خبرا و تقطع يده فضلا عن أن تحرقه النّار؟! و بعد فأيّ خبر في ذلك اليوم؟!و هل يصلون إلى النّاس حتّى يجعلوا ذلك الخبر سببا إلى صرف الدّعوى؟قيل لهم: فإنّا نقول بالصّرفة في عامّة هذه الأصول. و في هذه الأبواب، كنحو ما ألقي على قلوب بني إسرائيل و هم يجولون في التّيه، و هم في العدد و في كثرة الأدلاّء و التجّار و أصحاب الأسفار، و الحمّارين و المكارين، من الكثرة على ما قد سمعتم به و عرفتموه؛ و هم مع هذا يمشون حتّى يصبحوا، مع شدّة الاجتهاد في الدّهر الطويل، و مع قرب ما بين طرفي التّيه. و قد كان طريقا مسلوكا. و إنّما سمّوه التّيه حين تاهوا فيه، لأنّ اللّه تعالى حين أراد أن يمتحنهم و يبتليهم صرف أوهامهم.
و مثل ذلك صنيعه في أوهام الأمة التي كان سليمان ملكها و نبيّها، مع تسخير الريح و الأعاجيب التي أعطيها. و ليس بينهم و بين ملكهم و مملكتهم و بين ملك سبأ و مملكة بلقيس ملكتهم بحار لا تركب، و جبال لا ترام. و لم يتسامع أهل المملكتين و لا كان في ذكرهم مكان هذه الملكة.
و قد قلنا في باب القول في الهدهد ما قلنا[١]، حين ذكرنا الصّرفة، و ذكرنا حال يعقوب و يوسف و حال سليمان و هو معتمد على عصاه، و هو ميّت و الجنّ مطيفة به و هم لا يشعرون بموته، و ذكرنا من صرف أوهام العرب عن محاولة معارضة القرآن، و لم يأتوا به مضطربا و لا ملفّقا و لا مستكرها؛ إذا كان في ذلك لأهل الشّغب متعلّق، مع غير ذلك، ممّا يخالف فيه طريق الدّهريّة، لأنّ الدّهريّ لا يقر إلاّ بالمحسوسات و العادات على خلاف هذا المذهب.
و لعمري ما يستطيع الدّهريّ أن يقول بهذا القول و يحتجّ بهذه الحجّة، ما دام لا يقول بالتّوحيد، و ما دام لا يعرف إلا الفلك و عمله، و ما دام يرى أن إرسال الرسل يستحيل، و أن الأمر و النّهي، و الثواب و العقاب على غير ما نقول، و أنّ اللّه تعالى لا يجوز أن يأمر من جهة الاختبار إلا من جهة الحزم.
[١]انظر ما تقدم في ٣/٢٤٩ (باب القول في الهدهد) ، ٤/٧٧.