إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣٠٩
قوله «انما قدم الادراك» قال الامام، انما قدم ذكر القوى المدركة على القوى المحركة لان الحركة الارادية إما انقباضية، أو انبساطية، و الحركة الانقباضية بواسطة ادراك المطلوب، و الانبساطية بواسطة ادراك المهروب، و لاجل ذلك اى و لتوقف الحركة على الادراك و عدم توقف الادراك على الحركة ذهب جمع إلى أنه ربما ينفك الادراك عن الحركة كما فى بعض الحيوانات، و لم يذهب أحد الى جواز انفكاك الحركة عن الادراك فى شيء من الحيوانات. فلما كان الادراك متقدما على الحركة طبعا استحق التقدم وضعا، و لما كان الكلام فى القوى المدركة فرعا على الكلام فى الادراك ابتدأ بتحقيق ماهية الادراك.
قال الشارح: و يمكن أن يقال أيضا: الحركة متقدمة على الادراك لان الحيوان انما احتاج الى الادراك بواسطة الحركة فانه يدرك الملايم ليتحرك اليه و يدرك غير الملايم ليتحرك عنه. فالحركة غاية الادراك و الغاية متقدمة على ذى الغاية، و لاحتياج الادراك الى الحركة و عدم احتياجها اليه امكن له انفكاك الحركة عن الادراك كما فى النبات، و ستعلم أن تقدم الغاية ليس الا فى التصور فاللازم ليس الا أن ادراك الحركة متقدمة على ادراك الملايم أو غيره و أما أن الحركة نفسها متقدمة على الادراك فلا. بل القول بان الحيوانات يدرك شيئا ليتحرك اليه أو عنه تصريح بتقدم الادراك على الحركة كما ذكره الامام، و الاولى أن يعكس و يقال: الانسان ربما يتحرك الى شيء يدركه فيكون الحركة فى الجملة متقدمة على الادراك و هذا القدر كاف فيما قصده الشارح لانه يمكنه حينئذ أن يقول: أن اراد ان كل ادراك سابق على الحركة فهو ظاهر البطلان، و ان أراد أن بعض الادراك سابق على الحركة فبعض الحركة أيضا سابق على الادراك فتقدم الادراك على الحركة فى الجملة لا يكون وجها لتقدمه فى الوضع، ثم قال: لما كان بعض الادراك سابقا على الحركة كما بينه الامام، و بعض الحركة سابقا على الادراك كما بيناه على ما اشار اليه بقوله «و يمكن أيضا ان يقال» فالادراك و الحركة من حيث هما لا تقدم لاحدهما على الاخر بل احتياج الحيوان الى أحدهما كما احتاج الى الاخر و لذلك صارا مبدئى فصلين متساويين. فالوجه فى تقدم الادراك انه اشرف لا التقدم الطبيعى كما ذكره الامام، و فى عبارته أنهما مبدئا فصلين متساويين مساهلة؛ بل هما أثران من فصل الحيوان فان الفصل الحقيقى ربما لا يعلم، و يوضع موضعه بعض اللوازم القريبة الواضحة فلما لم يعلم حقيقة فصل الحيوان و كان الحساس و المتحرك لازمين له فى مرتبة واحدة وضعناهما موضع فصله الحقيقى و ان لم يكونا فصله فى الحقيقة، و لعل المراد هذا القدر فهو كاف لاستشهاده هاهنا. م