إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٢٨٩
[النمط الثالث فى النفس الارضية و السماوية]
قوله «النمط الثالث فى النفس الارضية» للنفس الارضية معنى، و للنفس السماوية معنى آخر. و اسم النفس مقول عليهما على سبيل الاشتراك اللفظى و ان اشتركا فى معنى واحد و هو كمال أول لجسم طبيعى لكنه ليس معنى النفس و الا لزم أن يكون صور البسائط و المعدنيات نفوسا.
و ليس كذلك. فلهذا لم يعنون النمط بالنفس مطلقا بل فصل الى النفس الارضية و النفس السماوية، أما النفس الارضية هى كل نفس فى الارض من النبات و الحيوان و هى كمال أول لجسم طبيعى آلى ذى حيوة بالقوة.
أما الكمال فهو ما يتم به النوع فى ذاته أو صفاته. أما فى ذاته فكصورة السرير فانه كمال للخشب السريرى لا يتم السرير الا بها. و أما فى صفاته فكالحركة فانها كمال للجسم المتحرك لا يتم الا بها، و الكمال الأول ما يتم به النوع فى ذاته، أو يقال ما يصير به النوع نوعا بالفعل و هو المنوع على ما مر، و الكمال الثاني يتبع النوع من عوارضه، فالكمال الأول يتوقف الذات عليه، و الكمال الثاني يتوقف على الذات. و قد يطلق الكمال الأول على معنى آخر و هو كمال ثان يترتب عليه كمال آخر كالحركة.
و أما الجسم فالمراد به الجنس أى الطبيعة الجسمية المجردة عن الفصل و هى المادة.
و ليتذكر أن الذاتى قد يؤخذ بشرط لا شيء أعنى وحده و هو المادة، و بهذا الاعتبار يكون جزءا للنوع، و قد يؤخذ لا بشرط شيء و هو أن يكون مبهما محتملا لان يقال على أشياء مختلفة فهو الجنس، و أن كان متعينا متحصلا بنفسه فهو النوع. اذا تذكرت هذا.
فنقول: لا شك أن النبات و الحيوان ليس مجرد طبيعة الجسم بل جسم قد انضم اليه أمر صار به نباتا أو حيوانا فذلك الامر له اعتباران: أحدهما أنه صورة و جزء للجسم النباتى أو الحيوانى، و بهذا الاعتبار يكون جسم النبات و الحيوان مادة. و ثانيهما اعتبار أنه كمال فان الجسم من حيث أنه جسم طبيعة ناقصة، و انما كملت و تممت بانضمام ذلك الكمال لكن لم يعرف ذلك الامر باعتبار أنه صورة لان الصورة يوهم أن يكون حالة و النفس لا يجب حلولها كما فى النفس الانسانية، و انما عرف باعتبار طبيعة ناقصة مبهمة متممها و محصلها ذلك الكمال فيكون الجسم بهذا الاعتبار جنسا لا مادة، ثم ان عرفنا أن النفس كمال فلسنا عرفناها بعد من حيث جوهرها و ماهيتها بل من حيث اضافتها الى البدن فلذلك يؤخذ البدن فى حدها كما يؤخذ البناء فى حد البانى و ان كان لا يؤخذ فى حده من حيث هو انسان. فلذلك صار النظر فى النفس من العلم الطبيعى. و ان حاولنا نعرف ذات النفس يجب علينا أن نورد لذلك بحثا آخر.
و أما الطبيعى فهو ما يقابل الصناعى.-