إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ١٧٥ - النمط الثاني فى الجهات و اجسامها الاولى و الثانية
قوله «ثم من المحال» قبل الخوض فى البرهان لا بد من تمهيد مقدمة و هى ان الجهتين المختلفتين الحقيقيتين جهتان متعينتان بالطبع متقابلتان بالطبع، اما انهما متعينتان بالطبع فلانا نرى ان الاجسام السفلية بعضها يتحرك الى الفوق بالطبع كالنار و بعضها الى السفل كالارض فلولا ان الفوق و التحت جهتان حقيقيتان متمايزتان بحسب الطبع لما كان بعض الاجسام متوجها إلى أحدهما بالطبع و البعض الاخر الى الاخر بالطبع، و اما انهما متقابلتان بالطبع فلان الاجسام الطالبة لاحدهما بالطبع هاربة من الاخر بالطبع، و ايضا احدهما ما يلى رأس كل احد بالطبع و الاخر ما يلى قدمه بالطبع فهما طرفا الامتداد متقابلان و يلزم من ذلك أن أحدهما إذا كان فى غاية القرب من جسم يكون الاخر فى غاية البعد عنه بالضرورة اذا تمهد هذه المقدمة
فنقول: لما كان فى الموضع خفاء فلا باس ان يشرح كلام الشيخ اولا ثم كلام الشارح ليتحقق الفرق بينهما و لا يعبأ بالتكرار إن وقع اما كلام الشيخ فهو ان تحدد الجهة الحقيقية و تعين وضعها إما أن يكون فى خلاء او ملاء متشابه اى ملاء لا اختلاف فيه اصلا فى الواقع، او فيما لا يكون خلاء و لا ملاء متشابها و الأول باطل إذ ليس حد من الخلاء و الملاء المتشابه اولى بان يكون طبيعية من الحد الاخر ضرورة تشابه حدود الخلاء و الملاء المتشابه فيجب ان يقع تحدد الجهة بشيء خارج عن الخلاء و الملاء المتشابه و لا محالة يكون جسما أو جسمانيا لان الجهة ذات وضع و تعين ذات الوضع لا يكون الا بذى الوضع، و ايا ما كان فتحدد الجهة انما يكون بجسم، و هو اما ان يكون جسما واحدا من حيث انه واحد او لا يكون جسما واحدا من حيث انه واحد، لا سبيل الى الأول لان لكل امتداد طرفين هما جهتان بل الجهات الحقيقية اثنتان و الجسم الواحد من حيث انه واحد ان كان محدد الجهة لم يتحدد به من حيث هو كذلك الا جهة واحدة و المطلوب تحدد الجهتين فالتحدد إذن لا يكون بجسم واحد من حيث انه واحد و ذلك اما بان لا يكون جسما واحدا بل جسمين او يكون جسما واحدا لا من حيث انه واحد لا جايز أن يكون التحدد بجسمين فانه لو تحدد الجهتان بجسمين فاما ان يكون أحدهما محيطا بالاخر او يكونان متباينين و هما باطلان:
اما الأول فلان الجهتين لو تحددتا بجسمين احدهما محيط بالاخر حتى يكون تحدد إحدى الجهتين بالمحيط و الاخرى بالمحاط كان المحاط لا محالة كالمركز لان الجهة الاخرى فى غاية البعد عن الجهة الاولى و الذي هو فى غاية البعد من المحيط ليس الا فى المركز فحينئذ يكفى الجسم المحيط فى التحديد حتى يكون تحدد إحدى الجهتين و هى غاية القرب بسطحه و الجهة الاخرى و هى غاية البعد بمركزه فيكون الجسم المحاط واقعا فى التحديد بالعرض حتى لو فرض المحاط بحيث لا يكون فى المركز لم يقدح فى تحديد جهة البعد و اليه اشار بقوله «سواء كان حشوه او خارجا عنه» فان الضمير فى حشوه يستحيل ان يعود الى المحيط لاستحالة ان يكون المركز خارجا عن المحيط بل الى المحاط اي يتحدد جهة البعد بمركز الجسم المحيط سواء فرض المركز فى حشو المحاط او خارجا عن المحاط-