إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٢٩٢
قوله «ارجع إلى نفسك» أراد بيان وجود النفس الانسانية، و هى التي يشير اليها كل واحد بقوله أنا فكما أن لكل جسم من الاجسام شيئا وراء ذلك الجسم هو مصدر آثاره و أفعاله كذلك لبدن الانسان شيء وراء البدن و الاعضاء يعبر عنه بقوله أنا، و ذلك لان كل واحد منا يدرك نفسه، و المدرك شيء غير البدن، و كذلك المدرك غير البدن و أجزائه فوجب القطع بكون النفس غير البدن و أجزائه.
أما المقدمة الاولى فنبه عليها فى أول التنبيهات باربع حالات:
الأول: أن يكون له فطنة صحيحة سواء كان صحيح المزاج أولا فاذا رجع نفسه فى هذه الحالة لم يشك فى أنه مدرك لها مثبت إياها.
الحالة الثانية: ان يتعطل حواسه الظاهره و هو حالة النوم فان النائم يدرك نفسه حتى اذا صبح باسمه تنبه.
الحالة الثالثة أن يخل حواسه الظاهرة و الباطنة و هو حال السكر فان السكران لا يغيب عن ذاته.
فان قلت: النائم فى نومه و السكران فى سكره لا يعرفان نفسهما و الا لتذكر ذلك عند اليقظة و الافاقة.
اجاب: بقوله «و إن لم يثبت تمثله لذاته فى ذكره» أى كل من النائم و السكران يعقلان ذاتهما الا أنه ما يبقى على ذكره. ففى هذه الحالات الثلاث يدرك ذاته المخصوصة و ان جاز أن يكون له شعور بغيره.
الحالة الرابعة: أن لا يكون له شعور بغيره و ذلك أن يتوهم نفسه فى أول خلقه صحيح المزاج و العقل لا يبصر اجزاؤها و لا يتلامس أعضاءها بل يكون الاعضاء منفرجة و معلقة فى هواء طلق.
فاعتبر كونه فى أول خلقه لئلا يكون له سابقة ادراك فيذكره، و كونه صحيح المزاج و العقل لئلا يؤذيه مرض فيشغله عن نفسه، و كونه بحيث لا يبصر أجزاؤها و لا يتلامس أعضائها لئلا يكون له شعور بالبدن و الاعضاء، و فى هواء طلق لئلا يحس من خارج بشيء من الأشياء و لا شك ان فى-