إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣٢٩
- يمنعنا عن إدراكها.
و يظهر من هذا أن المجردات يعقل ذاتها و يعقل غيرها من المجردات. لان ذواتها معقولة بذاتها و ليس لها عائق و مانع، و كل مجرد عقل و عاقل و معقول لذاته، و اما النفوس السماوية فهى ايضا تعقل ذواتها إذ لا عائق لها عن ذواتها، و أما غيرها من المجردات فلعل التعلق الجسمانى يمنعها عن ادراكها. و الضمير فى قوله «بل لعله» يعود إلى العمل و هو الظاهر، و أما اعادته إلى ما هو برئ من الشوائب و هو المعقول فيوجب أن يكون قوله «بل من جانب ما» مستدركا. إذ يكفى أن يقال: و أما البريء من المادة فهو معقول بذاته و لعله من شأنه أن يعقله أى يعقل ذاته.
ثم هاهنا بحثان: الأول انا اذا تعقلنا جسما من الاجسام فلا يخلو إما أن نتعقل مادته أولا فان لم نتعقل مادتة فلا يحصل تعقل ذلك الجسم لعدم تعقل جزئه، و ان تعقلنا مادته فالمادة لا تمنع من تعقل المادى.
و جوابه: أن الوجود ثلاثة اقسام: أحدها العوارض للمادة من الصور و الاعراض، و ثانيها المتعلق بالمادة لا يتعلق العروض كالجسم و كالنفوس المتعلقة بالمادة، و ثالثها المنقطع الوجود عن المادة كالعقول. و القسم الأول يحتاج فى تعقله إلى التجريد عن المادة، و القسم الثاني لا يحتاج إلى الانتزاع عن المادة لكنه كونه ملحوقا بالشوائب المادة إنما يتعقل بعد تجريده عنها، و أما القسم الثالث فلا حاجة فى تعقله الى عمل أصلا.-