التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٨ - عقبى العمى في الدنيا والاخرة
وهكذا يثير القرآن العقول- المرة بعد الأخرى- إلى تلك الحقيقة الواضحة، والتي هي أصل معرفة حقائق كثيرة تغيب- عادة- عن وعي الناس؛ تلك هي التمايز التام بين الظل والحرور، بين الظلمات والنور، وبين الأعمى والبصير. يقول الله تعالى: قُل لآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُإِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (الانعام/ ٥٠)
٢/ ويتدرج القرآن الكريم من التمايز التام بين الأعمى والبصير، لتذكيرنا بحقيقة التمايز بين الايمان والكفر. يقول الله تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الاعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (غافر/ ٥٨)
فالمسيء (الكافر بعقيدته أو سلوكه) هو الأعمى الذي ترك في الظلام، بالرغم من وجود الضياء من حوله. بينما البصير هو المؤمن الذي اعترف بالحقائق، وتعايش معها.
٣/ ويعرفنا الله تعالى بالتمايز بين الأعمى والبصير، من خلال معرفة التمايز بين الظلمات والنور. فإن النور الذي لا يرى، مثله كمثل الظلمات. يقول الله تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ* وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ* وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ* وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلَا الأَمْوَاتُ انَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ (فاطر/ ١٩- ٢٢)
٤/ ويقول الله تعالى متسائلا ومستثيرا عقل كل انسان ووجدانه: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ الله قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِم نَفْعاً ولَا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الاعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِم قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرعد/ ١٦)
كذلك ظلمات الجهل لا تستوي ونور العلم. فمن يعلم بأن الرسالة حق انزل من عند الله، يعيش في ضياء الرسالة. بينما الكافر أعمى، يلفه ظلام الجهل. فلا يستويان.
عقبى العمى في الدنيا والاخرة:
١/ وعاقبة العمى عن آيات الله في الدنيا عذاب، وفي الآخرة عمى، فانظر إلى آل فرعون كيف أغرقوا في اليم، جزاء تكذيبهم بآيات الله، وانهم كانوا قوما عمين. يقول الله تعالى: