التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٤ - هاء الصبر زهد وترقب
٣/ والصابر الشاكر لا يبصر ظاهر الحوادث فقط، بل إنه ينفذ الى ما وراءها من سنن، ومن تلك السنن يهتدي الى خالق السموات والارض ومدبرهما. فاذا ركب سفينة جارية في البحر كأنها جبل اشم، يفكر كيف علم الله البشر صنع هذه السفينة، وكيف سخر الريح لتسييرها .. قال الله تعالى: وَمِنْ ءَايَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالاعْلَامِ* إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (الشورى/ ٣٢- ٣٣)
٤/ وفي سنن الماضين عبرة للصابرين، لانهم ينفذون ببصائرهم الى عمق التاريخ. فلا يمنعهم بعد الزمان عن الانتفاع بدروس الحياة الماضية، ولماذا هلك من هلك من الامم الغابرة.
لماذا هلك- مثلا- قوم سبأ؟ لانهم لم يشكروا النعم، بل ظلموا انفسهم حين دعوا الله بأن يباعد بين اسفارهم. فمزقهم الله (حتى ذهبت حياتهم مثلا، فقالت العرب: تفرقوا ايدي سبأ). فقال الله تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ* فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (سبأ/ ١٨- ١٩)
٥/ والصابر الشكور يغور في بحر المجتمع ليعرف السنن (القوانين) الاجتماعية التي تسود الحياة البشرية،. ومنها ان الانسان جبل على حب المحسن اليه. يقول الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا الْسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (فصلت/ ٣٤- ٣٥)
هاء: الصبر زهد وترقب
١/ حين يقارن العقل بين الدنيا والاخرة، فانه سيختار الحياة الفضلى والباقية وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (الاعلى/ ١٧). وهكذا الصابر يزهد في الدنيا، ويختار العقبى عليها، لانها باقية دون هذه. يقول الله تعالى: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِاحْسَنِ مَا كَانُو يَعْمَلُونَ (النحل/ ٩٦)
٢/ ونظرة الصابر الى نفسه مختلفة اساسا من نظرة الاخرين. فهو لا يملك نفسه، ولا يملك شيئا خولت اليه صلاحية التصرف فيه، وهو لا يبقى خالدا في الدنيا. من هنا فاذا فقد شيئا