التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٤ - في رحاب الاحاديث
الانفس عليك؟ وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة [١]، وقد تورطت بمعاصيه مدارج سطواته؟
فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة، ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظة. وكن لله مطيعا، وبذكره آنسا، وتمثل في حال توليك عنه إقباله عليك، يدعوك الى عفوه، ويتغمدك بفضله، وأنت متول عنه الى غيره.
فتعالى من قوي ما اكرمه، وتواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته. وأنت في كنف ستره مقيم، وفي سعة فضله متقلب. فلم يمنعك فضله، ولم يهتك عنك ستره، بل لم تخل من لطفه مطرف عين في نعمة يحدثها لك او سيئة يسترها عليك او بلية يصرفها عنك، فما ظنك به لو أطعته.
وأيم الله لو ان هذه الصفة كانت في متفقين في القوة، متوازيين في القدرة، لكنت اول حاكم على نفسك بذميم الاخلاق، ومساوىء الاعمال.
وحقا أقول: ما الدنيا غرتك، ولكن بها اغتررت. ولقد كاشفتك العظات، وآذنتك على سواء، ولهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك، والنقص في قوتك، اصدق وأوفى من ان تكذبك او تغرك. ولرب ناصح لها عندك متهم، وصادق من خبرها مكذب. ولئن تعرفنها في الديار الخاوية، والربوع الخالية، لتجدنها من حسن تذكيرك، وبلاغ موعظتك، بمحلة الشفيق عليك، والشحيح بك. ولنعم دار من لم يرض بها دارا، ومحل من لم يوطنها محلا. وان السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها اليوم.
اذا رجفت الراجفة، وحقت بجلائلها القيامة، ولحق بكل منسك أهله، وبكل معبود عبدته، وبكل مطاع اهل طاعته، فلم يجز في عدله وقسطه يومئذ خرق بصر في الهواء، ولا همس قدم في الارض، الا بحقه. فكم حجة يوم ذاك داحضة، وعلائق عذر منقطعة.
فتحر من امرك ما يقوم به عذرك، وتثبت به حجتك، وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له، وتيسرلسفرك، وشم برق النجاة، وارحل مطايا التشمير. [٢]
[١] وذلك لان نقمة الله تنزل حين الغفلة والأمن.
[٢] نهج البلاغة خطبة رقم ٢٢٣