الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩٩
المحلل صار أقوى فصار التحليل أكثر أو لأن الغاذية صارت أضعف فصار الغذاء الوارد أقل و الأول باطل لأن المحلل ليس إلا الأمور الثلاثة المذكورة و هي الحار الداخلي و الحار الخارجي و الحركات البدنية و النفسانية و هذه الأسباب الثلاثة كان وجودها في زمان الشباب مثل وجودها في زمان الكهولة و إذا لم يزدد المحلل استحال أن يزداد التحلل و الثاني أيضا باطل لأن الغاذية لا تصير ضعيفة إلا لنقصان الحرارة و لا ينتقص الحرارة إلا لنقصان الرطوبة فإذا جعلنا [١] انتقاص الرطوبة بسبب ضعف الغاذية لزم الدور و هو محال.
و ما قيل من أن المحلل و إن كان وقت الكهولة هي الأمور الثلاثة التي كانت موجودة في زمان الشباب و لكن مدة تأثيرها في زمان الكهولة أطول من مدة تأثيرها في زمان الشباب و ذلك لأن الضعيف قد يكون أقوى أثرا من القوي إذا كان أطول مدة من الآخر و إذا كان كذلك فأسباب التجفيف تأثيرها في الكهل أدوم من تأثيرها في الشباب- فالجفاف فيه أكثر منه في الشباب.
فكلام لا حاصل له [٢] لأن دوام العمل كما هو حاصل في سبب الجفاف كذلك
[١] لا يخفى أن الكلام في انتقاص الرطوبة الواردة و ما هو سبب ضعف الغاذية- نقصان الرطوبة الغريزية التي هي قابلة الحرارة الغريزية فلا دور.
فإن قيل انتقاص الواردة سبب انتقاص الغريزية و انتقاصها سبب ضعف الغاذية و سبب السبب سبب.
قلنا ليس كذلك بل تنقص الغريزية بسبب فاعلها فإن علة زوال الشيء أو نقصه عدم علة وجوده أو كماله أو ينقص بسبب آخر كاشتداد الحرارة مثلا على أن كل شيئين لأحدهما تعلق بالآخر و لا سيما تعلق الحلول فزوال أحدهما أو ضعفه منشأ زوال الآخر أو ضعفه و لكن من جهتين لئلا يدور كما أن زوال المادة منشأ زوال تشخص الصورة و زوال الصورة منشأ زوال وجود المادة و في الضعف في فاعلية الصورة الحافظة لتركيب المادة المحفوظة كما فيما نحن فيه ضعف الصورة منشأ ضعف انحفاظ المادة و ضعف انحفاظ المادة منشأ ضعف فاعلية الصورة و لكن درجة أخرى من الضعف غير الأول و هي منشأ ضعف آخر في انحفاظ المادة و هكذا حتى يؤدي إلى الزوال و الانحلال، س ره
[٢] فيه أن طول المدة في إيراد الغاذية الغذاء لا يجدي نفعا لأن القوة الطبيعية فعلها على وتيرة واحدة و الأسباب الاتفاقية لا انضمام لها فنختار أن المحلل صار أقوى- بانضمام سوء التدبير في الغذاء و الهواء و غيرهما من الأسباب الستة الضرورية فإن الإنسان و إن كان مدبرا حكيما طبيبا مراقبا حسن التدبير باذلا جهده فيه مستفرغا وسعه له لا يحيط علما بالأسباب القدرية و لا يمكنه دفع سهام الحوادث عن نفسه.
فإن قلت سوء التدبير كان أيضا في سن الشباب و أيضا الغاذية يتدارك بإيراد البدل- لانثلام الوارد من الحملات و سوء التدبيرات.
قلنا هذه الأسباب القدرية كما يوهن النسبية و القابل كذلك يوهن القوة و الفاعل- فتدارك الغاذية لانثلامات النسبة لا يكافئها بل يزال في التنقص لأجل ورود سوء التدبير- و غيره على نفسها أيضا فمثل الغاذية كمثل من يقيم فسطاطا في ريح عاصفة تأتيه من كل مكان- فكلما يحرف الريح ذلك الفسطاط و يشرفه على الانهدام يصلحه المقيم بإقامة أعمدته و أحكام أوتاده فتلك الريح كما تزلزل أركان الفسطاط كذلك توهن أطراف ذلك المقيم المصلح حتى تستأصله و تهدم بنيانه، س ره