الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٥٧
لكان شعوره لا يتعدى عما جبل عليه فعناية الله تعالى تعلقت بخلق ما هو أكمل وجودا من النبات فأنعم على الحيوان قوة الإحساس و قوة الحركة في طلب الغذاء فأول مراتب الحواس هي حاسة اللمس لأن الحاجة بها أمس و لهذا يعم الحيوانات كلها و يسري في الأعضاء كلها إلا نادرا لأن الحيوان الأرضي مركب من عناصر متضادة الكيفيات الأولية قد اعتدلت و تصالحت و استقرت على كيفية واحدة بضرب من الوحدة و صلاحه باعتدالها و فساده بانحرافها عن ذلك الاعتدال فلا يتصور حيوان إلا و أن يكون له هذا الحس لأنه و إن لم يحس أصلا فليس بحيوان و أنقص درجات الحس أن يحس بما يلاصقه و يماسه فإن الإحساس بما يبعد منه إحساس أتم و أقوى و هذا الحس تجده في كل حيوان حتى الدود التي في الطين فإنه إذا غرز فيها إبرة انقبضت للهرب لا كالنبات يقطع فلا ينقبض إذ لا يحس بالقطع إلا أن الحيوان اللمسي كالدود ناقص الحياة لا يقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنه فافتقر في كماله إلى حس يدرك ما بعد عنه فأفادت له العناية قوة الشم لكنه يدرك به الرائحة و لا يدرى أنها جاءت من أي ناحية فيحتاج إلى أن يطوف كثيرا من الجوانب فربما يعثر على الغذاء الذي شم ريحه و ربما لم يعثر فيكون في غاية النقصان أيضا لو لم يخلق فيه غير هذا فخلق له البصر ليدرك ما بعد عنه و يدرك جهته فيقصد تلك الجهة بعينها إلا أنه مع ذلك يكون ناقصا إذ لا يدرك به ما وراء الجدار و الحجب فلا يبصر غذاء يحجب عنه و لا يبصر عدوا يحجب عنه و قد لا ينكشف الحجاب إلا بعد قرب العدو فيعجز عن الهرب فخلق له السمع حتى يدرك به الأصوات من وراء الجدران عند جريان الحركات و لأن الإنسان لا يدرك بالبصر إلا شيئا حاضرا و أما الغائب فلا يمكن معرفته إلا بكلام ينظم من حروف و أصوات يدرك بحس السمع فاشتدت الحاجة فينا إليه فخلق لنا ذلك و ميزنا بفهم الكلام عن سائر الحيوانات و كل ذلك ما كان يغنينا و لا للحيوان لو لم يكن قوة الذوق إذ يصل الغذاء فلا يدرك أنه موافق أو مخالف فيأكله و ربما يكون مهلكا كالشجرة يصب في أصلها كل مائع و لا ذوق لها فتجتذبه و ربما يكون ذلك سبب جفافها ثم كل ذلك لا يكفي لو لم يخلق في مقدم الدماغ إدراك آخر يسمى بالحس المشترك يتأدى إليه