الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٩
فإذا تقررت هذه المقدمة فنقول القوة العاقلة لما كانت هكذا لأنها تدرك [١] المعقولات القوية و الضعيفة بعضها عقيب بعض فهي ليست جسمانية كسائر القوى البدنية التي شأنها ما ذكرناه.
و هذا البرهان أيضا يدل على كون القوة الخيالية غير جسمانية فإنها تقوى على تخيل الأشياء العظيمة مع تخيلها للأشياء الحقيرة مثلا يمكنها أن يتخيل فلك الأفلاك مع الخردلة و أن يتخيل ضوء الشمس و حرارة النار مع ضوء الشرارة و حرارة الهواء المعتدلة و أن يتخيل صوت الرعد مع الهمس و هذا مما أشكل الأمر- على من لم يتفطن بتجرد الخيال عن المواد المستحيلة الكائنة الفاسدة فجعل يتكلف في دفع الإشكال عن نفسه بأن قوة الإدراك غير قوة المدرك فالشمس و القمر و السماء مدركات قوية و نحن إذا تخيلناها فإدراكنا لها لا يلزم أن يكون قويا و لأجل ذلك لا يمنع إدراكنا لها عن إدراك المدركات الضعيفة و أما إذا قوي تخيلنا لها بحيث صرنا مستغرقين في ذلك التخيل امتنع علينا و الحال هذه تخيل الشيء الحقير.
أقول الإدراك لا يخلو إما أن يكون هو الصورة الحاصلة من الشيء أو الإضافة التي بين المدرك و المدرك كما هو مذهب هذا القائل فعلى الأول لا معنى لقوة الإدراك و ضعفه إلا قوة المدرك و ضعفه لأنهما أمر واحد لأن المدرك [٢] في الحقيقة هو الصورة
[١] و لا تكل بكثرتها كما هو الوسط الأول بل هو الأصل في كلام بعضهم كما لا يخفى على المتتبع في كلامهم، س ره
[٢] يمكن أن يقرر المنع بنحو آخر و هو أنا لا نسلم أن القوة و الضعف في صور الأشياء المدركة بحسب القوة و الضعف اللذين لها في الوجود الخارجي ليكون صورتا الفلك و الخردلة في الذهن بينهما من القوة و الضعف ما بين وجوديهما الخارجيين و على هذا فقوله صورة السماء في الخيال أقوى من صورة الخردلة فيه ممنوع لكن ذلك لا ينفي وجود القوة و الضعف بين المدركات الذهنية فإن ذلك مما لا سبيل إلى إنكاره كالأمور البعيدة من الحس و القريبة منه و إدراك النفس لأحدهما لا يمنع من كمال إدراكها للآخر بالانتقال إليه و أما ما ذكره من القوة و الضعف في الإدراك بالاستغراق و عدمه- ففيه مضافا إلى ما أورده المصنف ره أنه إنما يستقيم بمقايسة حال النفس إلى حال القوى الجسمانية لو امتنع على النفس إدراك الشيء مع الانتقال إليه من شيء استغرقت في إدراكه على سبيل القوى الجسمانية التي تمتنع من الفعل في الضعيف بعد الانتقال إليه من القوي لا أن تنصرف النفس من إدراك الشيء حين الاشتغال بإدراك ما استغرقت فيه فتأمل، ط مد