الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٨
و لهم في هذا المسلك وجه آخر و هو أن نفرض الكلام في الأمور التي يستحيل عليها القسمة عقلا مثل الباري سبحانه و الوحدة و أيضا مثل البسائط التي يتألف منها المركبات- فإن الحقائق إذا كانت مركبة فلا بد فيها من البسائط ضرورة أن كل كثرة فالواحد فيها موجود و حينئذ يقال العلم المتعلق بها إن انقسم فإما أن يكون كل واحد من أجزائه علما أو لا يكون فإن لم يكن أجزاؤه علوما لم يكن العلم هو مجموع تلك الأجزاء بل الهيئة الحاصلة عند اجتماع تلك الأجزاء فكلامنا في تلك الهيئة و هو أنها لو انقسمت لكان لها أجزاء- فإن كان أجزاء العلم علوما فلها متعلق فلا يخلو إما أن يكون متعلق كل واحد من تلك الأجزاء- كل ذلك المعلوم أو أجزاءه فإن كان كله لزم أن يكون جزء الشيء مساويا لكله من جميع الوجوه و ذلك محال و إن كان بعض ذلك المعلوم فقد بينا أن هذه الحقائق لا بعض لها و لا جزء قالوا هذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة أقول لا نسلم أن كل واحدة من النفوس البشرية أمكنها أن يتصور حقيقة هذه البسائط و أكثر الناس إنما يرتسم في أذهانهم إذا حاولوا إدراك هذه الأمور أشباح خيالية و حكايات متقدرة و أنى لهم معرفة الباري جل ذكره و الجواهر البسيطة العقلية نعم الحجة المذكورة أصح البراهين على تجرد النفوس العارفة بالله و الصور المفارقة- و تلك النفوس قليلة العدد جدا و أما سائر النفوس فهي مجردة عن الأجسام الطبيعية- لا عن الصور الخيالية.
و أما اعتراضات بعض المتأخرين على هذه الحجة فهي مدفوعة.
منها أن النقطة حلت من الجسم شيئا منقسما أو غير منقسم فعلى الأول لزم حلول غير منقسم في منقسم و على الثاني يلزم الجزء الذي لا يتجزى.
و منها النقض بالوحدة فإنها مع كونها من أبعد الأشياء من طباع الكثرة حالة في الجسم.
و منها النقض بالإضافة فإن الأبوة مع أنها غير قابلة للانقسام حالة في الأب.
و منها أن القوة الوهمية قوة جسمانية و العداوة التي تدركها أمر غير منقسم- لامتناع ورود القسمة على هذه العداوة إذ لا نصف لها و لا ربع و كذا الصداقة و غيرها.