الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٨
يكون جامعا لذاته بحسب وجود واحد لجميع الكيفيات و الصفات التي يقع الإحساس بها فإن المبصر غير المسموع و الرائحة غير الطعم فهكذا يجب أن يكون مدارك هذه الكيفيات و الكمالات و مشاعرها الجزئية مختلفة و هذا بخلاف وجود الأشياء في العقل- حيث يجوز أن يكون هناك شيء واحد بحسب وجود واحد عقلي شما و ذوقا و رائحة و صوتا و لونا و حرارة و برودة و غير ذلك من الصفات على وجه أعلى و أشرف كما بينه الفيلسوف العظيم في كتابه فثبت أن من الواجب أن يكون إدراك المحسوسات بما هي محسوسات- لا يمكن إلا بآلات مختلفة حسب اختلاف أجناسها كيلا يختلط على النفس و يتشوش إدراكاتها- و لما اختلفت الآلات فلا جرم النفس إذا حاولت الإبصار التفتت إلى العين فيقوى على الإبصار التام و إذا حاولت السماع التفتت إلى الأذن فقويت على السماع التام و كذلك القول في سائر الأفعال بسائر القوى و إذا تكررت منها هذه الأفعال باستعانة هذه الآلات وقعت لها ملكة و اقتدار على تحصيل تلك الأمور التي لم يمكن حصول حضورها إلا باستعانة الآلات من غير الاستعانة بشيء منها بل تستحضرها و تتصرف فيها كما تشاء بذاتها و في عالمها- فعلم من هاهنا أن النفس في أول تكونها كالهيولى الأولى خالية عن كل كمال صوري- و صورة محسوسة أو متخيلة أو معقولة ثم تصير [١] بحيث تكون فعالة للصورة المجردة عن المواد جزئية كانت أو كلية و لا محالة تلك الصور أشرف و أعلى من هذه الصور الكائنة الفاسدة فما أشد سخافة رأي من زعم أن [٢] النفس بحسب جوهرها و ذاتها شيء واحد
[١] هذا على مذاق من يقول إدراك الكلي بانتزاع القدر المشترك من المواد الجزئية واضح و قد مر من كتاب المبدإ و المعاد للشيخ أن القوة العقلية تجرد الصور عن المادة فيكون خالقة و فاعلة للصور المعقولة و أما على مذاقه قدس سره من أن إدراك الكليات بمشاهدة النفس أرباب الأنواع عن بعد و أن العاقل يتحد بالمعقولات فالفعالية على سبيل التغليب أو باعتبار مقام الخفي و الأخفى للنفس و باعتبار باطنيات ذات النفس- و ظاهريات ذوات المعقولات نعم إذا قيل إن الكليات العقلية عنوانات و عكوس لتلك الأرباب لم يكن به بأس بل هو أنسب بمقام التعليم و التعلم فافهم، س ره
[٢] أي بالعدد له مرتبة واحدة بلا تبدل و حركة جوهرية في ذاتها و إلا فعنده أيضا شيء واحد ذو مراتب و أطوار طولية و شئون ذاتية متصف بصفات الطبائع بل الهيولى كما أنه متخلق بأخلاق الله تعالى و بين هاتين المرتبتين متوسطات شتى و في الآية إشارة إلى أن مقام الهيولوية أيضا فضلا عن الطبيعة نفس و إنسان بقوله على الإنسان و لا غرو في ذلك نعم العجب و الغرابة فيما إذا نظر إلى المادة أو الطبع أو النبات أو الحيوان الواقعة في غير صراط الإنسان الواقفة عن الحركة المأخوذة بشرط لا و نحن لا نعدها بهذا النظر من مراتب الإنسان و أطوار النفس ثم إن المعنى الذي أشار إليه قدس سره للآية و إن كان وجها من وجوهها لكن الوجه الأرفع أن يكون إشارة إلى الكينونة- السابقة اللاهوتية للإنسان فإن عينه الثابت كان في المرتبة الواحدية لازما لأسمائه و صفاته معلومة بالذات بعلمه و كلمة حين مثل كلمة وقت في قوله ص لي مع الله وقت و لم يكن شيئا مذكورا لأنه لم يكن هناك موجودا بوجوده الخاص بل هو و جميع الأعيان الأخر كانت موجودة بوجود الله تعالى فلم يكن هناك هذه الوجودات- المتكثرة المتشتة الغالب عليها أحكام الإمكان و المادية و السوائية و إن كان النور مطلقا قاهرا على الظلمة و الرحمة سابقة على الغضب و الوحدة مستولية على الكثرة مطلقا- و لكن أين هي مما في الأكوان السابقة، س ره