الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٢
و هبطت إلى هذا العالم السفلي فإنها فعلت ذلك بنوع [١] استطاعتها و قوتها العالية ليتصور الإنية التي بعدها و لتدبرها و إن هي أفلتت من هذا العالم بعد تصويرها و تدبيرها إياه- و صارت إلى عالمها سريعا لم يضرها هبوطها إلى هذا العالم شيء بل انتفعت به و ذلك أنها استفادت من هذا العالم معرفة الشيء و علمت ما طبيعته.
و منه قوله في موضع آخر إذا فارقت النفس العقل و أبت أن يتصل به و أن يكون هي و هو واحدا اشتاقت [٢] إلى أن تنفرد بنفسها و أن يكون و العقل اثنين ثم اطلعت إلى هذا العالم و ألقت بصرها على شيء من الأشياء دون العقل استعادت الذكر حينئذ و صارت ذات ذكر فإن ذكرت الأشياء التي هناك لم ينحط إلى هاهنا و إن ذكرت إلى هذا العالم السفلي انحطت من ذلك العالم الشريف.
و منه قوله في موضع آخر فإن قال قائل إن كانت النفس تتوهم هذا العالم قبل أن ترده فلا يخلو أنها تتوهمه أيضا بعد خروجها منه و ورودها إلى العالم الأعلى فإن كانت تتوهمه فإنها لا محالة تذكره و قد قلتم إنها إذا كانت في العالم الأعلى لا [٣] تتذكر شيئا من هذا العالم البتةقلنا إن النفس و إن كانت تتوهم هذا العالم قبل أن تصير فيه و لكنه تتوهمه بتوهم [٤] عقلي.
و مما يدل أيضا من كلامه على أن النفس كان لها وجود في عالم العقل و وجود في عالم الطبيعة و أن كلا من الوجودين غير الآخر قول هذا الفيلسوف في الميمر الثاني
[١] أي قدرتها و اختيارها لا بنوع اضطرار فإنها في اللاهوت عين القدرة و الاختيار- و كذا في الجبروت لأنها مختارة فيه باختيار القادر المختار المحض بل بهذا النظر لا جبر هاهنا فتبصر، س ره
[٢] فيه إشارة إلى بعض النكات التي ذكرناها سابقا للهبوط، س ره
[٣] هذا حكم الواردين على العالم الأعلى الصادرين عنه و هم الفائزون بالقدح المعلى المتمكنون عند ربهم الأعلى المستغرقون في شهود جماله المقهورون تحت نور جلاله، س ره
[٤] أطلق التوهم من باب المشاكلة أي تدرك النار مثلا بحيث يسع كل النيران علما حضوريا أو حصوليا بحيث لا يشغله شأن عن شأن و لا يحجبه شيء عن شيء، س ره