الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٤
و الحر و البرد و نحوها و كذا الذوق يدرك الطعم و بتوسط الطعم يدرك بالعظم- بأن يدرك طعما كثيرا و يدرك بالعدد بأن يجد طعوما مختلفة فأما إدراكه [١] للحركة و السكون فضعيف جدا بل لا يكون إلا بالاستعانة باللمس.
و أما الشم فإنه لا يدرك شيئا من ذلك إلا العدد بإعانة من العقل و هو أن يعلم أن الذي انقطعت رائحته غير الذي حصلت ثانيا.
و أما السمع فإنه لا يدرك العظم و لكنه يدل العقل بشركته بأن الأصوات القوية لا يحصل في غالب الأمر إلا من الجسم العظيم و بالجملة فإدراك البصر لهذه الأشياء المعدودة أقوى و إن كان إدراكه أيضا بإعانة من العقل و إن سألت الحق فاعلم أن لا شيء من الإدراك الحسي إلا و قوامه بالإدراك الخيالي و لا شيء من التخيل إلا و قوامه بالتعقل كما أن الحس لو جرد عن العقل لم يكن موجودا و لا أمكن وجوده منحاذا عن العقل و ليس الحواس بالقياس إلى مستعملها كالآلات الصناعية بالقياس إلى مستعملها حيث يتصور للقدوم و المنحت وجود و إن فرض عدم النجار و لا يتصور للسمع و البصر وجود مع قطع النظر عن القوة العقلية في الإنسان و عن النفس الحيوانية في غيره من الحيوان و كذا لا يتصور للنفس وجود إلا بالعقل و لا للعقل وجود إلا بالباري جل ذكره و قد انجر الكلام إلى هذا المطلب و ليس هاهنا محل تحقيقه و كأنه قد مرت الإشارة إليه سابقا فإذا كان الأمر في الحواس ما ذكرناه فهكذا يجب أن يعلم الحال في المحسوسات فكل محسوس فهو معقول بمعنى أنه مدرك للعقل بالحقيقة لكن الاصطلاح قد وقع على تسمية هذا الإدراك الجزئي الذي بوساطة الحس بالمحسوس قسيما للمعقول أعني إدراك المجردات الكلية هذا.
و ربما توهم بعض الناس أنه لا بد للحيوان من حس آخر غير هذه الخمسة لإدراك تلك الأمور المعدودة و هذا باطل لما علمت أن تلك الأمور من المحسوسات المشتركة- التي يدرك بكل واحد من هذه الخمسة فهي غير محتاجة إلى حس سادس بل لو كان في الوجود حس آخر كان معطلا من جهة أن الحواس الخمس بل بعضها وافية بإدراك هذه الأمور و التعطيل مستحيل كما علمت في الوجود
[١] أي الأينية و أما الكيفية فقوية كما لا يخفى، س ره