الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٥
لتجويف الصماخ و لذلك يصل من الأبعد في زمان أطول و لكن بمجرد إدراك الصوت القائم بالهواء القارع للصماخ لا يحصل الشعور بالجهة و القرب و البعد بل إنما يحصل ذلك بتتبع الأثر الوارد من حيث ورد و ما بقي منه في الهواء الذي هو في المسافة التي فيها ورد و الحاصل أنا بعد إدراكنا الصوت عند الصماخ نتبعه بتأملنا فيتأدى إدراكنا من الذي وصل إلينا إلى ما قبله و منه إلى ما قبل ما قبله من جهته و مبدإ وروده فإن بقي منه شيء و أدركناه إلى حيث ينقطع و يفنى و حينئذ ندرك الوارد و مورده و ما بقي منه موجودا و جهته و بعد مورده و قربه و ما بقي من قوة أمواجها و ضعفها فلذلك ندرك البعيد ضعيفا لأنه يضعف تمويجه حتى أن لم يبق في المسافة أمر ينتهي بنا إلى البعيد المبدإ- لم نعلم من قدر البعد إلا بقدر ما بقي فلا نفرق بين الرعد الواصل إلينا من أعالي الجو و بين دوي الرحى الذي هو أقرب منه إلينا هذا منتهى ما حصلوه في هذا الباب.
و فيه ما لا يخفى من الإشكال و هو أن السمع ليس بإدراك بعد إدراك و استعلام بعد استعلام ينتقل النفس من واحد إلى آخر و منه إلى آخر و هكذا بل هاهنا إدراك شيء واحد مع جهته و قربه و بعده ثم إنه بعد أن سلمنا أنه يتتبع الهواء الذي وصل إلى الصماخ منه إلى ما قبله فما قبله و لكن إذا كان إدراك الصوت منفكا عن إدراك الجهة و غيرها كما قرروه من أن الصوت يدرك أولا ثم بعد التتبع تدرك الجهة و القرب و البعد و القوة و الضعف- حتى يكون هاهنا إدراكات متعددة سابقة و لاحقة فنقول مدرك السمع حينئذ ليس إلا ذلك الصوت فأما الجهة فهي غير مدركة للسمع أصلا و إذا لم تكن الجهة مدركة للسمع لم يكن الصوت الحاصل في الجهة مدركا له فبقي أن يكون مدرك السمع صوتا- لو كان حصوله في جهة أخرى أية جهة كانت لكان هو ذلك الصوت بعينه و هو محال- لأن الصوت [١] الجزئي لا بد أن يكون متخصصا بوضع و جهة و لا يمكن أن يكون
[١] أقول هذا منقوض باللمس فإنه لا يدرك الجهة كما مر و ليس مدركه كليا- فللصوت مثلا سوى الجهة المعينة مشخصات جزئية منوطة بها و الجواب أن اللمس و إن كان لا يدرك الجهة التي أتى منها الملموس إلا أنه يدرك الجهة التي هي جهة العضو- الذي هو حامل اللمس فكيف يكون كليا و أما السمع فإن أدرك جهة المسموع القريبة ثم بعد التتبع البعيدة لزم أن يدرك المسموع الواحد قريبا و بعيدا و أن لا يدرك القريبة التي عند حامل السمع و البعيدة لم يدرك بعد لزم أن يدرك المسموع بلا جهة أولا فيكون كليا و المشخصات الجزئية الأخرى أيضا لم تدرك و عدم مدركيتها لازم عدم مدركية الجهة لأنه إذا لم يدرك الأين و الوضع و غيرهما التي هي للهواء الذي هو موضوع الصوت المفروض عدم درك جهته، س ره