الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٦
كان سببا استحال انعدام المسبب كما سبق ذكره في مباحث العلة و المعلول فالنفس لو انعدمت لكان انعدامها بسبب انعدام سببها أو شيء من أجزاء سببها التام و الأسباب أربعة- و يستحيل انعدامها لانعدام سببها الفاعلي لأن السبب الفاعلي لها كما سنبين جوهر عقلي مفارق الذات من جميع الوجوه عن المادة فيمتنع عدمه لأن الكلام فيه كالكلام في النفس و محال أن يكون انعدامها لانعدام السبب المادي لأنا قد بينا أن النفس ليست مادية بل مجردة و محال أن يكون لعدم السبب الصوري لأن صورة النفس بعينها ذاتها- و لأن الكلام في عدم ذلك السبب الصوري كالكلام في عدم النفس فإن كان لعدم صورة أخرى لزم التسلسل و محال أن يكون لعدم السبب التمامي لهذا الوجه أيضا فيمتنع عدم النفس مطلقا و أما الصور و الأعراض التي يصح عليها ذلك العدم فذلك لصحة [١]
[١] حتى الفاعلية و هاهنا إشكال ظاهر الورود ٣٨٦ و قد نقله السيد المحقق الداماد- عن المحقق الطوسي قدس سرهما في القبسات و قد وصفه السيد قدس سره بأنه من مستصعبات العقد التعضيلية و هو أنه إذا عدم شيء في العالم لزم منه عدم الواجب تعالى عن ذلك لأن عدم ذلك الشيء إما لعدم شرطه أو شرط علته أو لعدم جزء علته و الكلام في عدمه كالكلام فيه حتى ينتهي إلى الواجب تعالى لأن الموجودات بأسرها ينتهي في سلسلة الحاجة إلى الواجب تعالى و الجواب أن عدم الحادث ينتهي إلى عدم مرتبة و قطعة من حقيقة متجددة بالذات كالطبيعة الجوهرية السيالة الوجود عند المصنف و كالحركة الوضعية الفلكية عند القوم و تلك الحقيقة كل حد منها ضروري العدم عند وجود حد آخر بلا حاجة إلى علة أخرى كضرورة عدم يوم الجمعة في يوم الخميس و يوم السبت فإذا انتهى عدم الحادث إلى عدم تلك المرتبة من تلك الحقيقة السيالة الوجود يقال عدمها ذاتي و الذاتي لا يعلل فلا ينتهي إلى عدم الواجب تعالى فالجاعل جعل نفس ذاتها جعلا بسيطا- لا أنه جعلها متقضية متجددة و السيد قدس سره أشار أولا إلى ما ذكرناه و ثانيا إلى تحقيق آخر بقوله ٣٨٦ فإذن يجب علينا أن نقطع وريد الشبهة و نجب عرق الإعضال فنقول- ما حققناه لك أن الحدوث و الزوال في عالم امتداد الزمان لا يتصحح إلا بالانتهاء إلى طبيعة متجددة متصرمة يكون طباع جوهرها ثبات اتصال التجدد و التصرم و سيلان استمرار الحدوث و البطلان من غير استناد في الانقضاء و التصرم إلى علة خارجة عن ذاتها يضمن للمتأمل المخرج عن هذه المضايق و لكنا نستأنف الآن بيانا طارفا من سبيل آخر فاعلمن أنه إنما يعتاص الأمر هنالك على من بتوهماته الفاسدة يحسب أن العدم الطاري على الشيء الكائن الفاسد في الزمان حادث متجدد في متن الواقع و طرو العدم عبارة عن تجدد البطلان بعد التقرر و أن انعدام الشيء الزماني إنما هو بارتفاع وجوده الحاصل في زمن حصوله- من تلقاء الجاعل الموجب عن وعاء التحقق عن زمان الحصول و أن العدم فعل الفاعل- و الفاعل فاعل البطلان و أن عدم حصول الشيء في زمان ما غير متحقق الصدق إلا في ذلك الزمان و مع تحققه لا قبله و أن انتفاء المانع متقدم على وجود المعلول بالذات- تقدما بالطبع لكونه من أجزاء علته التامة و شيء من تلك الأوهام ليس له في عالم العقل من نصيب و لا في إقليم الحكمة من خلاق و أن في المتكلفين و المتفلسفين أقواما و عشائر تلك أمانيهم و من هو على بصيرة في أمره يعلم أن ما يحدث و يتجدد و يعقل فيه الفعل- و القبول يكون لا محالة شيئا ما يعبر عنه بالليسية و الانتفاء بل هو سلب محض و ليس صرف لا يخبر إلا عن لفظه و لا يروم بمفهومه إلا أنه ليس في الحصول أمر ما أصلا و إنما طرو العدم على الكائن الزماني هو سلب وجوده في الزمان العاقب سلبا صرفا ثم قال أ فليس من المنصرح أن ارتفاعه عن زمانه في قوة اجتماع النقيضين و عن الزمان البعد غير معقول إذ لم يكن متحققا قط فإذن قد استوى و استبان أن الزوال حقيقة انقطاع اتصال الفيضان لعدم الإفاضة الإبقائية المعبر عنها في القرآن الحكيم و التنزيل الكريم تارة بالحفظ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما و تارة بالإمساك و يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا و أنه لا عدم إلا و هو أزلي- و أن طرو العدم على الحادث الزماني إنما معناه المحصل تخصيص وجوده بزمان ما محدود- في جهة النهاية بحد بعينه كما هو محدود في جهة البداية كذلك و ذلك الوجود المحدود بحدي الطرفين غير مرتفع لا عن الدهر و لا عن ذلك الزمان المحدود في الجهتين ثم قال فإذن قد بزغ أن العدم اللاحق بالكائن الفاسد أزلي ليس يصح استناده إلى عدم تحقق العلة التامة لحصول الوجود في الزمان العاقب من بدو الأمر في الآزال و الآباد رأسا كما أن العدم السابق قبل حصول الوجود الحادث في الزمان الأول أيضا كذلك لا أنه متجدد مستند إلى انتفاء جزء ما من أجزاء العلة التامة للوجود الحاصل في زمان الكون فإن العلة التامة لذلك الوجود و لأي وجود قد دخل في التحقق غير منتفية أبدا و إنما الصحيح أن العلة التامة لتقرر ما مفروض و وجود ما مقدر غير داخلة في التحقق من بدو الأمر أزلا و أبدا و العدميات الأزلية سابقة كانت أو لاحقة من حاشيتي الوجود الكائن في زمان بعلية متسلسلة في العلية و المعلولية على الجهة اللايقفية بما هي
متمثلة في لحاظ العقل متمايزة بحسب الإضافة إلى الملكات لا إلى نهاية أخيرة يقف الأمر عندها فليستيقن انتهت كلماته النورية و إنما نقلناها بطولها مع كونه خروجا عن طور هذه الحاشية لاشتمالها على تحقيقات شريفة نافعة في هذا المقام و في مقامات آخر فليدرك بعد غوره و ليذعن حسن طوره، س ره