الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٦
و الثالث أنها تدرك آلتها و ليست بينها و بين آلتها آلة أخرى فثبت أن النفس غنية في فعلها عن الآلة و المحل و كل ما كان كذلك فهو في ذاته أيضا غني عن المحل و ذلك لأن كون الشيء فاعلا متقوم بكونه موجودا فلو كان الوجود متقوما بالمحل لكان الفعل متقوما أيضا به لأن الإيجاد فرع الوجود و الفعل بعد الذات فحاجة الذات و الوجود إلى شيء- يستلزم حاجة الإيجاد و الفعل إليه من غير عكس و لهذا لا يفعل شيء من القوى الجسمانية- إلا بمشاركة الجسم و لأجل كون الحواس و غيرها من القوى الجسمانية الوجود- لا تدرك ذاتها و لا إدراكها لذاتها و لا إدراكها لآلتها فلو كانت النفس جسمانية لتعذر عليها ذلك و قد ثبت أنها ليس كذلك فثبت أنها غير جرمية.
أقول هذا البرهان دال على تجرد النفس عن البدن سواء كانت قوة عاقلة بالفعل أو كانت متخيلة إذ للخيال أيضا أن يتخيل ذاتها و آلتها و يفعل فعلها من غير مشاركة البدن- و لهذا يتخيل أشياء خارجة عن هذا العالم الطبيعي مما لا يكون بينها و بينه علاقة وضعية بالقرب و البعد فعلم أن فعلها ليس بآلة بدنية و إن كان محتاجا إلى البدن في الابتداء- كحاجة العقل إليه أيضا من جهة الإعداد و تخصيص الاستعداد.
و اعترض صاحب المباحث على مقدمة هذا البرهان بوجهين الأول بأن الصور و الأعراض محتاجة إلى محالها و ليس احتياجها [١] إلى محالها إلا بمجرد ذواتها ثم لا يلزم من استقلالها بهذا الحكم استغناؤها في ذاتها عن تلك المحال.
الثاني أن جميع الآثار الصادرة من الأجسام مباديها قوى و أعراض في تلك الأجسام- و ليس لمحال تلك القوى مدخل في اقتضائها تلك الآثار و الأجسام بما هي أجسام- يستحيل أن يكون لها أثر في هذه الأحكام المخصوصة فعلمنا أن المستقل في اقتضاء تلك الأحكام هي تلك الأعراض و القوى الحالة وحدها ثم لا يلزم من استقلالها و انفرادها- في تلك الأحكام استغناؤها عن محالها في الوجود.
أقول في الجواب أما عن الأول فإن الاحتياج و الإمكان و ما أشبههما أمور عقلية و أحكام ذهنية تعرض الماهيات بحسب ملاحظة الذهن إياها من حيث هي هي و الكلام في
[١] هذا يؤيد ما ذكرناه من تعميم معنى الفعل في هذه المقامات، س ره