الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٣٩
فيعينانه على طريقه الذي يسلكه و يحسنان مرافقته في السفر الذي هو بصدده و قد يستعصيان عليه استعصاء بغي و تمرد حتى يملكانه و يستعبدانه و فيه هلاكه و انقطاعه- عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد و للقلب جند آخر و هو العلم و الحكمة و التفكر و حقه أن يستعين بهذا الجند فإنه حزب الله على الجندين الآخرين- فإنهما يلتحقان بحزب الشيطان فإن ترك الاستعانة به و سلط على نفسه الغضب و الشهوة هلك يقينا و خسر خسرانا مبينا و ذلك حال أكثر الخلق فإن عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء الشهوة و يجب أن يكون شهواتهم مسخرة لعقولهم فيما يفتقر إليه انتهى كلامه و لعمري أنه صدر من عين البصيرة و منبع التحقيق و ربما عبر هو و أترابه عن القوى المدركة بالطيارة و عن القوى المحركة بالسيارة و ذلك لأن القوى المدركة أسرع وصولا إلى مقاصدها و مدركاتها بل ضرب منها آني الوصول إلى المعلوم و ضرب منها محض الإدراك بالفعل بلا قوة منتظرة- و هذا بخلاف القوى المحركة فإنها لا تخلو عن تراخي زمان و تجدد أحوال.
و اعلم أن كون نسبة القوى إلى النفس كنسبة الملائكة إلى الرب مما ذهب إليه كثير من أعاظم العلماء منهم صاحب إخوان الصفا حيث ذكر فيه قال الملك لحكيم من الجن- كيف طاعة الملائكة لرب العالمين قال كطاعة الحواس الخمس للنفس الناطقة قال زدني بيانا قال أ لا ترى أيها الملك أن الحواس الخمس في إدراك محسوساتها و إيرادها أخبار مدركاتها إلى النفس الناطقة لا يحتاج إلى أمر و نهي و لا وعد و لا وعيد بل كلما همت به النفس الناطقة بأمر محسوس امتثلت الحاسة لما همت به و أدركتها و أوردتها إليها بلا زمان و لا تأخر و لا إبطاء و هكذا طاعة الملائكة لرب العالمين الذين لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون لأنه أحكم الحاكمين.
و اعلم أن النفس ما دام كونه متعلقة بالبدن غير واصلة إلى النشأة الكاملة العقلية لا تصرف لها إلا في القوى الحيوانية التي علمت أقسامها الثلاثة و ما يتفرع عنها من القوى المبثوثة في الجسم و أما إذا كملت بالعلم و العمل فيطيعها الأكوان العقلية و الروحانية و الحسية كلها طاعتها لملك الملوك