الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٥
ما يصحح أحد الأمرين من البدو و الإعادة يصحح الأخرى و لهذا كثيرا ما وقع في الكتاب الإلهي إثبات الإعادة بثبوت البداية كقوله تعالى كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ.
و اعلم أن حكاية هبوط النفس الآدمية من عالم القدس موطن أبيها المقدس إلى هذا العالم موطن الطبيعة الجسمانية التي كالمهد و موطن النفس الحيوانية التي هي بمنزلة أمها مما كثرت في الصحف المنزلة من السماء و مرموزات الأنبياء و إشارات الأولياء و الحكماء الكبراء ففي القرآن العزيز ذكر هبوط النفس و صعودها في آيات كثيرة كقوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ و كقوله تعالى في حكاية آدم و هبوطه من عالم الجنان قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و قوله تعالى قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ و قوله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ إلى قوله ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ و قوله تعالى إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا و قوله تعالى كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
و في الحديث النبوي: الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة
إشارة إلى تقدم وجودها في معادن ذواتها من العقول المفارقة التي هي خزائن علم الله و كيفية هذا التقدم في الوجود كما حققناه و وجهناه من أن للنفوس كينونة عقلية تجردية كما أن لها كينونة تعلقية و كما أن للأشياء [١] الخارجية الجزئية ثبوتا في القضاء السابق الإلهي- و هي هناك مصونة عن التغير و المحو و الإثبات و هاهنا واقعة في الكون و الفساد و المحو و الإثبات لقوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يعني اللوح المحفوظ عن التغير و التبدل.
و في كلام أمير المؤمنين ع: رحم الله امرأ عرف من أين و في أين و إلى أين
. فالأولى إشارة إلى حال النفس قبل الكون و الوسط إلى ما مع الكون و الآخر إلى
[١] يعني لا اختصاص للكينونة السابقة بالنفوس بل هي لجميع الأشياء إلا أنه لا استشعار لها إلا للنفوس إلا أن يدخلوا باب الأبواب، س ره