الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٤٣
و منها أن البهائم تدرك هوياتها الإدراكية
و كيف لا و هي تهرب عن المؤلم و تطلب اللذيذ و ليس هربها عن مطلق الألم أما أولا فلأن المشهور أنها لا تدرك الكليات و لو أدركتها لكان ما نحن بصدده ألزم و أما ثانيا فلأنها لا تهرب عن ألم غيرها- مع أن ذلك أيضا ألم فهي إذن تهرب عن ألمها فهو يقتضي علمها بأنفسها و ذلك يقتضي تجردها بوجهين.
أحدهما أن العلم يقتضي ثبوت الشيء المدرك بالفتح للشيء المدرك بالكسر- و الصورة التي تحل المادة وجودها للمحل لا لنفسها و كل ما وجوده [١] لنفسه مجرد عن المحل فالمدرك لذاته مجرد عن المحل و ثانيهما أن علم الحيوان بهويته دائم و ليس بمكتسب بالحس و علمه بأعضائه الظاهرة و الباطنة ليس كذلك فهويته [٢] مغايرة لأعضائه.
أما الصغرى فلأن العلم بوجود النفس لو كان مكتسبا لكان إما [٣] بالحس و هو باطل فإن الحس لا يحس بنفسه فكيف بما هو آلة لها و مستعملة إياها- و أيضا [٤] ربما يعلم ذاته عند ما لا يحس بشيء أصلا و أما بالفكر فلا بد من دليل- و الدليل إما علة النفس أو معلولها و الأول باطل لأن علة النفوس شيء أجل من أن يحيط به علم الحيوان و أيضا الأكثرون [٥] من الناس يعرفون أنفسهم و إن لم يخطر ببالهم
[١] أي وجوده بالفعل فلا يرد الهيولى إذ ليس لها وجود بالفعل إلا فعلية القوة، س ره
[٢] إن قلت النتيجة لهذا القياس أن علمه بهويته مغاير لعلمه بأعضائه لا ما ذكره.
قلت قد ثبت أن العلم و المعلوم بالذات متحدان بالذات، س ره
[٣] إن قلت هذا الكلام في قوة أن يقال لو كان مكتسبا بالحس لكان إما بالحس لأنه نقيض قوله و ليس بمكتسب بالحس و هو باطل.
قلنا هذا نقيض لكلا الجزءين لأن قوله علم الحيوان بهويته دائم بمنزلة قوله ليس بمكتسب بالحس و بغيره إذ المكتسب ليس بدائم كما لا يخفى فقوله و ليس بمكتسب بالحس- من باب ذكر الخاص بعد العام، س ره
[٤] كما في الهواء الطلق على ما سنذكره، س ره
[٥] إن قلت الكلام في النفس الحيوانية قلت إذا كان الإنسان كذلك فالحيوان بطريق أولى مع أن أكثر الناس لا تفاوت بينهم و بين الحيوانات، س ره