الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٦
إلا بآلة جزئية و أما ثانيا فلأن هذا الحكم قد يقع من الحيوانات التي لا عقل لها- إذ لو لا ذلك لتعذرت عليها الحياة و لو لم يكن الشم و الشكل دالا لها على الصورة المطلوبة لم تطلبها أو على الصورة المهروب عنها لم تهرب عنها فظهر أن للمحسوسات الظاهرة اجتماعا في قوة جزئية إدراكية و ليس شيء من الحواس الظاهرة كذلك فلا بد من مدرك باطني جزئي و هو المسمى بالحس المشترك.
و هذه الحجة [١] لا يخلو عن ضعف إذ العقل في الإنسان و الوهم في الحيوان- جامع لجميع القوى المدركة و غيرها و هو الحاكم على مدركاتها و المستعمل للجميع- فيكفي للحكم بأن هذا الأبيض هذا الحلو إذا أبصر بياض السكر ببصره و إدراك حلاوته بذوقه و أيضا إذا عقلنا الإنسان [٢] الكلي ثم شاهدنا شخصا معينا منه حكمنا بأن هذا
[١] أقول بل هي قوية متينة- بيانها أنه كما أن الهيولى و الصورة اللتين هما نوعان من الجوهر ليسا جسما بل اللتان تأدى تركيبهما إلى الوحدة و صارتا نوعا واحدا آخر منه و هو الجسم كذلك البياض الذي في البصر و الحلاوة التي في الذوق ليسا مناط الحكم- بأن هذا السكر هذا الحلو و كذا نفس تركيبهما الحقيقي فإنه عمل المتصرفة التي شأنها الفعل لا الدرك فإن عملها كانضمام شيء إلى شيء بفعل الطبيعة كأن نضم شيئا إلى شيء بخشبة حيث لا شعور للخشبة بالانضمام الذي هو عملها بل الحكم إدراك التركيب و الانضمام الحقيقي فإنه تصديق و التصديق قسم من العلم و لذا يقال إنه إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة فهذا الحكم الجزئي أعني إدراك هذه الهيئة التركيبية من الحس المشترك و ليس من العقل لأنه لا يدرك الجزئي و لا يحكم حكما جزئيا في مقامه العالي و إن قلنا بدركه للجزئيات كما هو الحق فإنما هو في مقامه النازل أعني مقام الحواس و العقل النازل الحاكم حكما جزئيا هو الحس المشترك و لو أدرك الجزئيات المحسوسة في مقامه العالي فأية حاجة إلى إثبات الحواس، س ره
[٢] أقول هذا ليس تركيبا حقيقيا و اتحادا واقعيا بل هي وحدة حقيقية فلا يحتاج إلى قوة على حدة بل المعنى بالحكم و الاتحاد هنا أن زيدا مثلا رقيقة الإنسان و الإنسان حقيقته فزيد مادي محدود و الطبيعة المرسلة الإنسانية مجردة فكيف يكون هو هي كما إذا كانا جزئيين أو كليين إلا من باب سنخية الرقيقة مع الحقيقة فكما لا يحصل من مادي و مجرد نوع واحد طبيعي كما مر كذلك لا حاجة هنا إلى قوة واحدة حقيقية بل يكفي القلب المعنوي لهذا و من ثم يسمى الجوهر المدرك للكليات و الجزئيات في اصطلاحات العرفاء بالقلب، س ره