الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٦١
صارت في هذا العالم من فعل الباري الخير فإن الباري لما خلق هذا العالم أرسل إليه النفس و صيرها فيه ليكون العالم ذا عقل لأنه لم يكن من الواجب إذا كان هذا العالم متقنا في غاية الإتقان أن يكون غير ذي عقل و لم يكن ممكنا أن يكون العالم ذا عقل و ليست له نفس فلهذه العلة أرسل الباري تعالى النفس إلى هذا العالم و أسكنها فيه ثم أرسل نفوسنا و أسكنها في أبداننا ليكون هذا العالم تاما كاملا و لئلا يكون دون ذلك العالم في التمام و الكمال فينبغي أن يكون في العالم الحسي من أجناس الحيوان ما في هذا العالم العقلي.
و منها ما قاله أرسطاطاليس في مواضع كثيرة من كتابه في معرفة الربوبية من ذلك قوله الطبيعة [١] ضربان عقلية و حسية و النفس إذا كانت في العالم العقلي كانت أفضل و أشرف و إذا كانت في العالم الحسي كانت أخس و أدنى من أجل الجسم الذي صارت فيه و النفس و إن كانت عقلية و من العالم الأعلى العقلي فلا بد أن ينال من العالم الحسي شيئا و تصير فيه لأن طبيعتها متلاحمة للعالم العقلي و العالم الحسي و لا ينبغي أن تذم النفس أو تلام على ترك العالم العقلي و كينونتها في هذا العالم لأنها موضوعة بين العالمين جميعا و إنما صارت النفس على هذه الحال لأنها آخر تلك الجواهر الشريفة الإلهية- و أول الجواهر الطبيعية الحسية و لما صارت مجاورة للعالم الحسي لم تمسك عنه فضائلها بل فاضت عليه قواها و زينته بغاية الزينة و ربما نالت من خساستها ذلك إلا أن يحذر و يحترز.
و من ذلك قوله في موضع آخر إن النفس الشريفة و إن تركت عالمها العالي
[١] كثيرا ما يطلق الطبيعة على الماهية النوعية للشيء فكأنه قال لكل ماهية نوعية جوهرية فرد عقلي و أفراد حسية مادية و يمكن أن يراد بالطبيعة الحسية المبدأ الأول للحركة و السكون الذاتيتين كما هو المشهور و بالطبيعة العقلية الفرد العقلي المذكور كما قال شيخ الإشراق قدس سره و طبيعة كل شيء إذا أخذ غير كيفياته و في بعض النسخ عن كيفياته فهو النور الذي يكون ذلك الشيء صنمه و نقل في شرح حكمة الإشراق عن يحيى النحوي أنه عرف الطبيعة بأنها قوة روحانية سارية في الأجسام العنصرية- تفعل فيها التصوير و التخليق و هي المدبرة لها و مبدأ حركتها و سكونها بالذات- و تفعل لغاية ما إذا بلغت إليها أمسكت، س ره