الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٧٦
كالكتابة و المشي و الأكل و الشرب و سائر الأفاعيل الاختيارية التي يتقدمها علم و إرادة زائدتان على النفس فإن تلك الأفعال متى لم يتصور أولا للنفس و لم تصدق النفس بفائدتها تصديقا يقينيا أو ظنيا أو تخيليا أو جهليا لم يصدر عنها فعل شيء من تلك الأفعال و أما الأفاعيل البدنية فليس حصولها من النفس إلا بتبعية شعورها بذاتها الذي هو عين ذاتها بتبعية عشقها لكمال ذاتها المقتضية لشوقها الجبلي لتوابع ذاتها شوقا تابعا للشوق إلى مبدئها الأصلي و هذه المعاني و إن كانت برهانية لكن إدراكها لا يمكن إلا بنور [١] البصيرة و الكشف و لذلك مما خفيت على أكثر المتفكرين فضلا عن المجادلين و المقلدين.
و مما ينبه على ما ذكرناه من أن قوة النفس سارية في جميع الأعضاء بوجوه التصرفات اللائقة بكل مرتبة من المراتب الحيوانية و النباتية و الطبيعية هو أنه لو لم يتعلق اعتناء النفس بتعديل المزاج و حفظ الاتصال لم يتألم بتغير المزاج عند أدنى مغير من حر أو برد أو حركة أو تعب أو هبوب ريح مشوش إلى غير ذلك من الأمور التي ليست من الأمور النفسانية كالمخوفات و المبشرات و الإنذارات و ما يجري مجراها- و كذا ينبغي أن تتأذى النفس من تفرق الاتصال و الجراحات تأذيا جزئيا في الحال و كان يجب أن يكون جميع الآلام و الموذيات الواقعة على الإنسان من باب خوف العاقبة و خطر المآل و سوء الآخرة و لم يكن المرض و تفرق الاتصال مؤلما في الحال لكن التوالي باطلة فعلم أن النفس بذاتها موضوعة لهذه الانفعالات و الإدراكات لسراية قوتها إلى معدن الطبيعة فصارت محلا لهذه العاهات و الآلام و عرضة لهذه البليات و الأمراض- بل الموت أيضا وارد عليها من جهة ورودها إلى هذا العالم بقدر الله و ليس بوارد على محل الإيمان و المعرفة بالله و اليوم الآخر و إنما يرد على محل الجهل و الظلمة و الحركة و الاستحالة.
و من الشواهد الدالة على أن النفس بذاتها فاعلة لأفاعيل الطبيعية من الجذب
[١] أي البصيرة القلبية و كشف العقل المتنور بنور البصيرة القلبية الحاصل من المجاهدات و الرياضات الملازمة للتوجه إلى مبدإ أنوار العلم و منبعها، م ره