الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٦
و كذا ما نقل عن بعض المشرقيين الفارسيين أن الظلمة حاصرت النور و حبسته مدة ثم أمددته و أيدته الملائكة فاستظهر على أهرمن الذي هو الظلمة فقهر الظلمة إلا أنه أمهلها إلى أجل مضروب و أن الظلمة حصلت من النور لفكرة ردية فهذا الحديث أيضا كان عن النفس فإنها جوهرة نورانية من جهة كونها عقلا بالفعل كما برهن عليه- و الظلمة هي القوة الحيوانية و الطبيعية و انحصارها تسلط القوى عليها و انجذابها إلى العالم السفلي و إمداد الملائكة مصادفة توفيق القدر بهداية النفس لإشراق عقلي و خروجها إلى الفعل و الإمهال إلى أجل مضروب بقاء القوى إلى حين الموت أو قطع العلاقة و الفكرة الردية التفات النفس إلى الأمور المادية.
و من الاحتجاجات على بطلان تقدم الأرواح الإنسية على أبدانها
قول صاحب حكمة الإشراق و التلويحات في كتابه المذكور أن الأنوار المدبرة إن كانت قبل البدن فنقول إن كان منها ما لا يتصرف أصلا أي في بدن فليس بمدبر و وجوده معطل و إن لم يكن منها ما لا يتصرف كان ضروريا وقوع وقت وقع فيه الكل و ما بقي نور مدبر.
أقول قد ذكرت في الحواشي إيرادا عليه أن لنا أن نختار الشق الأول و نقول إن الوجود المفارقي للنفوس غير الوجود التعلقي لها و من ذهب من الأقدمين إلى أن للنفوس وجودا في عالم العقل قبل الأبدان لم يرد به أن النفس بما هي نفس لها وجود عقلي بل مراده أن لها نحوا آخر من الوجود غير وجودها الذي لها من حيث هي نفس مدبرة فعلى هذا لا يلزم من كونها غير متصرفة في الأبدان تعطيل و إنما يلزم التعطيل- لو لم يكن النفس بما هي نفس متصرفة في البدن و حينئذ يقع وجودها ضائعا معطلا- و لا يلزم التعطيل لو لم يكن وجودها العقلي غير متصرفة في جسم بل هي بما هي عقل لا اشتغال لها بالجسم أصلا و هي بما هي نفس لا تنفك عن تدبير و مباشرة أصلا.
و لنا أيضا أن نختار الشق الأخير فإن حقية هذا الشق لا يوجب أن يجيء وقت وقع فيه الكل و ما بقي وجود نفس مدبرة في العالم كما ذكره و ذلك لأنه إن أراد بالوقت في قوله وقت وقع فيه الكل وقتا محدودا معينا و من لفظة الكل الجميع فذلك [١] غير
[١] لا يقال لزومه ظاهر لا يقبل المنع لأن المفروض أن النفوس الغير المتناهية بأبدان غير متناهية لنقوش غير متناهية لتكون متصرفة و منها الخلف حيث فرض أنها قبل البدن و أنها متصرفة فيه أو التناسخ لو كانت مع أبدان و قبل أبدان آخر تعلقت بها فيما بعد.
لأنا نقول ليس مقصوده قدس سره اختيار الشق الأخير بمعنى أنها موجودة بنعت الكثرة و من حيث إنها متصرفة بل بمعنى أنها موجودة بنعت الوحدة و الكينونة العقلية- و أن ذات المتصرفات موجودة من حيث ذاتها و أصلها و تماميتها لا مع الوصف العنواني الذي هو التصرف و بعبارة أخرى أشار إليها في ذيل قوله ثم نقول إلخ وجود الجهات الفاعلية و الحيثيات الوجودية و الشئون الكامنة في المبدإ العقلي وجود تلك المتصرفات بذواتها و بمبادي إضافاتها نعم يمكن أن يقال إن الشيخ الإلهي ينكر وجودها بنعت الكثرة لا بنعت الوحدة و الكينونة العقلية كما أشرنا إليه سابقا فتجشم البراهين و سوق الحجج لإبطال الأول لا الثاني، س ره