الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٤
يتأخر عنه الفساد و الاستحالة و إن ظهرت الآفة في سائر القوى و الأفعال.
فيجاب بأن الأعضاء الطرفية إنما يلحقها الضعف و الفساد لضعف يسبق إلى المبادي- و لو كانت المبادي صحيحة لانحفظت الأطراف و لم يسقط قواها و معلوم أن ليس كبد الشيخ و لا دماغه و لا قلبه على الحال الصحيحة و القريبة من الصحة و لذلك تجد في نبضه و بوله و أفعال دماغه تفاوتا عظيما و معلوم أن عقل الإنسان لا يحتاج في تمامه إلى يده و رجله و جلده و ما يجري مجراه.
أقول تفاوت الأحوال الحاصلة للإنسان بحسب الشيخوخة تابعة أيضا لتفاوت يقع في أحوال النفس لأن المبدأ للمزاج و المشكل للأعضاء كما علمت هي النفس و منشأ كلال البدن و قواه انصراف النفس عن تدبير هذه النشأة إلى تدبير نشأة ثانية بحسب الجبلة و في ذلك حكمة كون الموت طبيعيا و لميته لا كما ذكره الأطباء و غيرهم.
فإن رجعت و قلت لعل مزاج الشيخ أوفق لأفعال القوة العقلية فلهذا يقوى فيه هذه القوة.
قلنا كلا فإن مزاج الشيخ إما بارد يابس و إما واهن ضعيف و كل منها يوجد في غير المشايخ و لا يكون لصاحبه مزيد استعداد و ليس كل شيخ أقوى من الشاب على أن ضعف البنية ليس يلائم لما يقوم بالبنية بل لعله يلائم ما لا يقوم بالبنية هذا.
حكمة عرشية:
اعلم أن هذا البرهان أيضا غير دال على أن لكل إنسان جوهرا مفارقا عقليا بل يدل على أن القوة العاقلة غير بدنية و هو كما يدل على أن القوة العاقلة ليست بدنية يدل على أن القوة الخيالية و الوهمية أيضا ليست بدنية فإن بعض المشايخ و المرضى قد يكون تخيله و تصوره للمعاني الجزئية بحاله و لو كانت القوة الخيالية طبيعية قائمة بهذا البدن الطبيعي لكان كلما عرضت له آفة أو مرض وقع الاختلال في تخيله و تصوره و ليس كذلك إذ قد يكون غير مختلة في فعلها و القضية السالبة الجزئية تكفي لاستثناء نقيض التالي كما علمت و القوم لعدم اطلاعهم على تجرد الخيال تكلفوا تمحلات شديدة في دفع بقاء التخيل و التذكر- عند الشيخوخة و اختلال البدن.