الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٢
نارا أراد بها ما مر ذكره- و من جعلها هواء فلعله أراد به الشوق و المحبة فإن النفس عين المحبة ثم التعبير عن المبدإ الأول بالعشق مما شاع في كلام العرفاء و للناس فيما يعشقون مذاهبو من جعلها ماء فأراد به عين ماء الحياة الذي به حياة كل شيء ذي نفس- كما قال تعالى وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ و النفس حياة الجسم كما أن العقل حياة النفس و لهذا عبر بعض الأوائل عن العقل الكل بالعنصر الأول و جعله ماء و ربما كان المراد بالعنصر الأول الوجود الفائض منه تعالى على الموجودات كلها على الترتيب- و من سماها أرضا فلكونها في ذاتها قابلة للعلوم و الصور الإدراكية الفائضة عليها من سماء العقل فالنفس القابلة للصور العلمية أرض الحقائق في مرتبة كونها عقلا هيولانيا- فيفاض عليها المعارف العلمية النازلة من سماوات العقول الفعالة كما تنزل الأمطار التي بها يحيى الأرض بعد موتها و قد ورد في الحديث
: إن القلوب يحيى بالعلم كما يحيي الأرض بوابل السماء
. و من رأى أن المبادي هي الأعداد
و جعل النفس عددا أراد من العدد كما أراد أصحاب فيثاغورث و تأويل كلامهم [١] أن المبدأ الأول واحد حقيقي و هو مبدأ الأشياء كما أن الواحد العددي مبدأ الأعداد لكن المبدئية و الثانوية و الثالثية و العشرية في هذه الأعداد الجسمانية الكمية ليست ذاتية لهذه الوحدات فكل ما صار أولا يمكن له أن يصير ثانيا و الثاني منها يجوز أن يكون أولا بخلاف المبدإ الأول تعالى فمبدئيته و أوليته عين ذاته و كذا ثانوية العقل الأول عين ذاته لا يتبدل و كذا مرتبة النفوس بعد مرتبة العقول فإطلاق العدد على المبادي العقلية و النفسية من جهة ترتيبها في الوجود ترتيبا لا يمكن تبدله فالعددية فيها ذاتية و في غيرها عرضية فهي الأعداد بالحقيقة
[١] و يمكن تأويل آخر و هو أنه لما لم يكن للمبدإ الأول ماهية وراء الوحدة فهو الوحدة القائمة بذاتها واحدة صارت مبدأ الاثنين و هو العقل لأنه مركب من ماهية و وجود- و الاثنان صار مبدأ للثلاثة و هي النفس لأن لها وراء الوجود و الماهية تعلقا بالمادة تدبيريا- ثم صارت الثلاثة مبدأ الأربعة و هي الطبع لأن له وراء التعلق التدبيري و التصرف التسخيري تعلقا انطباعيا و إضافة حلولية و إلى هنا تم المبادي الفاعلية، س ره