الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٩
و أيضا الشيخ الرئيس قد سلم أن البصر يدرك الحركة و يستحيل إدراك الحركة إلا على الوجه المذكور.
أقول الحجة على أن الإبصار لا بد فيه من تمثل شبح المرئي و صورته عند النفس قد مضت من غير الاستعانة بما ذكره و أما تجويز كون بقاء الارتسامات في البصر حتى يدرك النقطة خطا فليس بجائز لأن الحس الظاهر قوة مادية لا يدرك شيئا إلا بمشاركة الوضع و ما لا وضع له بالقياس إلى موضوعها فلا يتأثر و لا ينفعل موضوعها منه فلا يقع الإدراك به إذ لا شبهة في أن القطرة عند حصولها في كل موضع يبطل كونها في الموضع السابق عليه و المنعدم لا وضع [١] له و ما لا وضع له لا يؤثر في قوة جسمانية- فلو كان البصر إدراك صورة النقطة على وضع خاص بعد انمحائها عن ذلك الوضع لزم وجود الشيء بلا سببه و لزم أن يكون الحس الظاهر مدركا للمغيبات و إدراك المغيبات مقصور على الحس الباطن لكونها غير منطبعة في المادة عندنا و كما أن البداهة شاهدة- على أن الحواس الظاهرة لا تدرك الأمور الماضية و الأمور المستقبلة فالبصر لا يدرك لونا موجودا في الأمس و الشم لا يدرك رائحة موجودة في الغد فكذلك [٢] الحكم هاهنا- و أما أن الشيخ سلم أن البصر تدرك الحركة فقد مر بيانه من أن ذلك بانضمام العقل بضرب من القياس لا أن البصر يدرك بإدراك واحد دفعي أجزاء الحركة فلو ارتسمت أجزاء الحركة دفعة كما في القطرة النازلة و الشعلة الجوالة فذلك في الحس المشترك لا في الحس الظاهر.
الحجة الثالثة و هي أقوى [٣] الحجج
إن الإنسان يدرك صورا لا وجود لها في
[١] و ما هو الموجود واحد من الأكوان إلى بدل و الفرد المنتشر من الأيون، س ره
[٢] أي لا فرق بين الماضي و الآتي بقرون و أحقاب و بينهما بثواني و ثوالث فلو كان هذان مدركين للبصر كان ذلك أيضا مدركين له و الجميع مشتركة في المغيبة أيضا، س ره
[٣] بل هي أخف مؤنة عما ذكره قدس سره بأن يقال لو لم يكن الحس المشترك موجودا لم يتحقق التخيل أصلا و إن كان من غير هؤلاء المذكورين لأن شأن الخيال ليس إلا حفظ المحسوسات الخمس و استمساكها و أما إدراكها في الخيال فبالحس المشترك- لأن كلا من القوى التي فينا لها مقام معلوم و ليس لها إلا شأن واحد كالقوى و الطبائع التي في العالم فالإدراك الخيالي في أن حيوان ناطق أو صامت بالحس المشترك و حفظ الصور و إن كان حفظ هذا الإدراك الذي في الخيال بالخيال، س ره