الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٠
فعلى هذا يظهر فساد قول من قال المتوسط كلما كان أرق كان أولى فلو كان خلاء صرفا لكان الإبصار أكمل حتى كان يمكن إبصارنا النملة على السماء لا بما ذكروه في جوابه بأن هذا باطل فليس إذا أوجب رقة المتوسط زيادة قوة في الإبصار لزم أن يكون عدمه يزيد أيضا في ذلك فإن الرقة ليست طريقا إلى عدم الجسم لأن اشتراط الرقة في الجسم المتوسط لو كان لأجل أن لا يمنع نفوذ الشعاع فصح أنه إذا كان رقة الجسم منشأ سهولة النفوذ كان عدم الجسم فيما بين أولى في ذلك و كانت الرقة على هذا التقدير طريقا إلى العدم بل فساده لأنه لو لم يكن بين الرائي و المرئي أمر وجودي متوسط موصل رابط لم يكن هناك فعل و انفعال.
فإن قلت إن الشيخ اعترف بأن هذا النوع من الفعل و الانفعال لا يحتاج إلى ملاقات الفاعل و المنفعل فلو قدرنا الخلاء بين الحاس و المحسوس فأي محال يلزم من انطباع صورة المحسوس في الحاس بل الخلاء محال في نفسه و الملء واجب.
قلنا قد مر سابقا أن ملاقاتهما و إن لم يكن واجبا لكن يجب مع ذلك إما الملاقاة و إما وجود متوسط جسماني بينهما يكون به مجموع المتوسط و المنفعل في حكم جسم واحد بعضه يقبل التأثير لوجود الاستعداد فيه و بعضه لا يقبل لعدم الاستعداد فلو فرض أن ليس بين النار و الجسم المتسخن جسم متوسط لم يتحقق هناك تسخين و تسخن لعدم الرابطة و كذا لو لم يكن بين الشمس و الأرض جسم متوسط لم يقبل الأرض ضوءا و لا سخونة
فصل (١١) في انحصار الحواس في هذه الخمس
الجمهور من الناس زعموا إمكان وجود حاسة سادسة غير هذه الخمس و الحكماء أنكروا ذلك و احتجوا عليه كما نبه الشيخ في بعض كتبه من أن الطبيعة [١] لا ينتقل
[١] الحجة لا ريب في استقامة تأليفها إلا أن في مقدماتها ما هو أصل موضوع- و هو أن الإنسان أكمل الحيوانات أعني المركبات العنصرية الحية و لا بد في تمام الحجة من بيان هذه المقدمة و توضيح ذلك أن الأعاظم من الحكماء السالفين بنوا الكلام في ترتيب الخلقة على ما تعطيه الفنون الطبيعية السابقة و فن الهيئة و أمثالها- و الذي تعطيه هو أن المركبات العنصرية الحية منحصرة في أنواع الحيوان التي تعيش على بسيط المركز و هو الأرض و الأنواع الحيوانية التي أصبناها بالاستقراء- و حصلنا ما لها من آثار الحياة بالحس و التجربة أكملها النوع الإنساني المجهز بالتعقل و الفكر مع ما عنده من أنواع الشعورات الحيوانية و يستنتج من ذلك أن الإنسان أكمل ما وجدناه من الأنواع الحيوانية وجودا لظهور باقي مقدمات البيان و استقامتها نعم علينا لو وجدنا نوعا من شعور خاص في شيء من الحيوان أن نحصل شيئا يسانخه و يماثله في الإنسان كما هو كذلك و أما بناء على الفرضيات العلمية الحديثة- التي ترى جواز كينونية المركب الحيوي في غير هذه الأرض المسكونة لنا فمن المستصعب- إثبات أفضلية الإنسان من كل حيوان مفروض غيره بل لا بد من إقامة البرهان على امتناع وجود نوع حيواني أكمل و أشرف وجودا من الإنسان و ما أصعبه بالنظر إلى الأصول الدائرة المعروفة في الفلسفة، ط مد