الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٩
فإذا كان الجسمان بحيث يتجاوران بأن يتصل طرفاهما فكأنهما كانا جسما واحدا فإذا وقع تأثير خارجي على أحدهما فيسري ذلك التأثير إلى الآخر كما تسخن بعض جسم بالنار فإنه يتسخن بعضه الآخر أيضا بذلك التسخين و كما استضاء سطح بضوء النير يستضيء سطح آخر وضعه إلى الأول كوضعه إلى ذلك النير و إنما قيدنا التأثير بالخارجي لأن التأثير الباطني الذي لا يكون بحسب الوضع لا يسري فيما يجاور الشيء فإذا تقرر هذا [١] فنقول إن الإحساس كالإبصار و غيره هو عبارة عن تأثر القوى الحاسة من المؤثر الجسماني و هو الأمر المحسوس الخارجي فلا بد هاهنا من علاقة وضعية بين مادة القوة الحاسة و ذلك الأمر المحسوس و تلك العلاقة لا تتحقق بمجرد المحاذاة من غير توسط جسم مادي بينهما إذ لا علاقة بين أمرين لا اتصال بينهما وضعا- و لا نسبة بينهما طبعا بل العلاقة إما ربط عقلي أو اتصال حسي فلا بد من وجود جسم واصل بينهما و ذلك الجسم إن كان جسما كثيفا مظلم الثخن فليس هو في نفسه قابلا للأثر النوري فكيف يوجب ارتباط المبصر بالبصر أو ارتباط المنير بالمستنير فإن الرابط بين الشيئين لا بد و أن يكون من قبلهما لا أن يكون منافيا لفعلهما فإذن لا بد أن يكون بينهما جسم مشف غير حاجز و لا مانع لوقوع أحد الأثرين أعني النور من النير إلى المستنير أو من البصر إلى [٢] المبصر أو تأدية الشبح من المبصر إلى البصر.
[١] لا يقال هذا يقتضي أن يتحقق الإبصار إذا قرب المرئي من البصر قربا مفرطا- لكمال الاتصال حينئذ فأية حاجة إلى توسط الشفاف ليحصل الاتصال فإنه حاصل بدونه لأنا نقول كل تأثير خاص مشروط بوضع خاص و اتصال مخصوص فالوضع الخاص أن لا يكون قربا مفرطا و لا بعدا مفرطا و الاتصال المخصوص أن يكون بتوسط الشفاف، س ره
[٢] الترديد للتطبيق على المذاهب الثلاثة في الإبصار فالأول ناظر إلى مذهب أصحاب الشعاع و الثاني إلى مذهب شيخ الإشراق و الثالث إلى مذهب الانطباع، س ره