الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٦
مدرك الحس أمرا كليا كما برهن عليه مع أن المدرك للسمع هو الصوت الموجود في الجهة المخصوصة هذا خلف و هذا إنما يلزم على تقدير أن يكون إدراك الجهة غير إدراك الصوت فيها و أن إدراكها قد حصل بتتبع التموجات الهوائية كما ذكروا و أما على الوجه الذي حققناه فلم يلزم محذور لأن المدرك للسمع هو الصوت المعين الواقع في جهة معينة و في موضع مخصوص فإن وجود الأمر المادي لا ينفك عن الوضع و الجهة و ليس أن وجوده شيء و كونه في جهة أو على وضع شيء آخر أو المسمى بالعوارض المشخصة في الحقيقة ليست من عوارض الشخص و إنما عروضها بالقياس إلى مرتبة ماهية ذلك الشخص كما مر فكل مدرك بإدراك حسي إنما يدرك وجوده في جهة معينة و على وضع معين لا أن الحواس يدرك وجوده فقط أو يدرك وجوده و يدرك معه بإدراك آخر جهته و بإدراك آخر قربه و بعده لأن هذا شأن العقل و ليس شأن الحس إلا إدراك أمر ذي جهة في وضع لما علمت أن وجود المحسوس و كونه في جهة و على وضع شيء واحد بالشخص متعدد في ظرف التحليل العقلي فكما أن المحسوس شيء واحد فكذلك الإدراك الحسي المتعلق به إدراك واحد هو بعينه إدراك بوجوده و إدراك بأنه في جهة كذا و إدراك بأنه في موضع كذا.
البحث الثالث
مما يناسب طريقتنا في السمع أن وجود الهواء بين السامع و ذي الصوت شرط لتحقق الاتصال بينهما مع عدم حاجز كثيف لا لأجل أن يحمل الهواء كيفية الصوت و يتأدى بها إلى السمع إن القدماء اكتفوا في سماع الفلكيات تماس الأفلاك بعضها بعضا كما نسب إلى أساطين الحكمة كأفلاطون و من قبله إنهم يثبتون للأفلاك أصواتا عجيبة و نغمات غريبة تتحير من سماعها العقل و يتعجب منها النفس- و حكي عن فيثاغورث أنه عرج بنفسه إلى العالم العلوي فسمع بصفاء جوهر نفسه و ذكاء قلبه نغمات الأفلاك و أصوات حركات الكواكب ثم رجع إلى استعمال القوى