الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٤
أقول و عندنا كما مر أن المحسوس [١] هو الصوت القائم بالهواء المنضغط بين القارع و المقروع فقط بدلالة أنا إذا سمعنا الصوت أدركنا مع ذلك جهته و قربه و بعده- و معلوم أن الجهة لا يبقى أثرها في التموج عند بلوغه إلى التجويف فكان يجب أن لا يدرك من الأصوات جهاتها و قربها و بعدها لأنها من حيث أتت دخلت بحركتها تجويف الصماخ فيدركها القوة هناك و لا تميز بين القريب و البعيد كما أن اليد تدرك ملمسها ما تلقاه و لا تشعر به من جهة اللمس إلا حيث ملمسها و لا فرق بين وروده من أبعد بعد و أقرب قرب لأن اليد لا تدرك الملموس من حيث ابتدأ أولا في المسافة بل من حيث انتهى و لما كان التميز بين الجهات و القرب و البعد من الأصوات حاصلا علمنا أنا ندرك الأصوات الخارجة حيث هي.
و ليس لك أن تقول إنما يدرك الجهة لأن الهواء القارع إنما توجه من تلك الجهة و إنما يدرك البعيد و القريب لأن الأثر الحادث عن القرع القريب أقوى و عن البعيد أضعف.
لأنا نقول أما الأول فباطل لأن الصوت قد يكون على اليمين من السامع- و يسمع بالأذن الأيسر للانسداد في أذنه الذي يليه و مع ذلك يحصل الشعور بكون الصوت على اليمين و لا يصل التمويج إلى الأذن الأيسر إلا بعد أن ينعطف عن اليمين- فليس هاهنا إدراك الجهة التي جاء منها الصوت بل الجهة التي وقع القرع فيها.
و أما الثاني فهو أيضا باطل و إلا لكنا لم نفرق البعيد القوي من القريب الضعيف- و لكنا إذا سمعنا صوتين متساوي البعد مختلفين بالقوة و الضعف وجب أن يظن أن أحدهما قريب و الآخر بعيد و يشتبه علينا دائما القوة و الضعف بالقرب و البعد و ليس الأمر كذلك.
و اعلم أن جمهور القوم لما لم يذهبوا إلى ما اخترناه حسب ما أوضحنا سبيله- استصعب عليهم الأمر في تعيين السبب في تحقق الشعور بجهة الصوت فقال بعضهم كصاحب المعتبر إنا قد علمنا أن هذا الإدراك إنما يحصل أولا بقرع الهواء المتموج
[١] و يبعده وقوع الخطاء في المسموعات و لا معنى لوقوع الخطاء في الخارج بعينه و كذا كون المسموع تقريبيا لا تحقيقيا، ط مد