الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٥٨
المحسوسات الخمس و يجتمع فيه و لولاه لطال الأمر على الحيوان و يقع في المهالك- فإن بعض الحيوانات كالفراش و غيرها لفقده الحس الباطني ربما يتهافت على النار مرة بعد أخرى و قد تأذى بها و لو كان له تخيل [١] و حفظ لما وقع الإحساس به أولا- لم يكن يعود إلى ما تأذى به مرة ثم مع ذلك ناقص لأنه لم يمكنه الحذر مما لا يدركه بالحس إذ ما لم يتأذ بشيء فلا يدرى أنه مما يحذر منه فخلق الله للحيوانات الكاملة كالفرس و غيره قوة يدرك بها معنى جزئيا لا تدخل تحت حس و لا تخيل و تلك القوة هي الواهمة فإن الفرس مثلا يحذر من الأسد إذا رآه أولا من غير أن يتأذى به فلا يكون حذره موقوفا على أن يحس به مرة و يتأذى به و كذا الشاة يرى الذئب أولا فيحذره- و يرى الجمل و البقر و هما أعظم منه شكلا و أهول صورة فلا يحذرهما و إلى الآن يشارك البهائم الإنسان في هذه الإدراكات و بعد هذا يكون الترقي إلى حدود الإنسانية فيدرك عواقب الأمور و الأشياء التي لم يدخل تحت حس و لا تخيل و لا توهم و لا يقع الاقتصار في الحذر و الطلب على العاجلة بل يحذر الشرور الآجلة و يطلب الخيرات الآخرة فميز الله الإنسان من بين الحيوان بقوة أخرى هي أشرف من الكل بها يدرك منافع الأمور و مضارها و خيرات الآخرة و شرورها.
ثم اعلم أن الحيوان لو اقتصر فيه على خلق الحواس و المدارك لإدراك الموافق من الأغذية و الأدوية و غير الموافق و لم يخلق له ميل في الطبع و شوق في النفس إليه- أو إرادة إياه في العقل يستحثه على الحركة إلى الموافق أو مقابلات هذه يستحثه على الحركة عن المخالف لكان البصر و سائر الحواس معطلة في حقه فاضطر أن يكون له ميل إلى ما يوافقه يسمى شهوة و نفرة عما يخالفه يسمى كراهة ليطلب بالشهوة الملائم- و يهرب بالكراهة المنافي ثم هذه المرتبة من الميل و النفرة في جملة القوى المحركة- و إن كفت في كمال وجود الحيوان بما هو حيوان لكن لا يكفي في كمال وجود الإنسان
[١] لا يخفى أنه ثبت بذلك الاحتياج إلى الخيال و الحافظة مع أنه بصدد بيان الاحتياج إلى الحس المشترك اللهم إلا أن يقال اكتفى به للتلازم بينها و الأولى أن يقال التخيل إدراك ما في الخيال و هذا الإدراك بالحس المشترك فإنه كما يدرك من الخارج كذلك يدرك من الداخل و الخيال يحفظ هذا الإدراك أيضا، س ره