الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٣٧
فهو في هذه المرتبة إنسان نفساني بالفعل و إنسان ملكي أو شيطاني بالقوة يحشر في القيامة إما مع حزب الملائكة و إما مع حزب الشياطين و جنودهم فإن ساعده التوفيق و سلك مسلك الحق و صراط التوحيد و كمل عقله بالعلم و طهر عقله بالتجرد عن الأجسام يصير ملكا بالفعل من ملائكة الله الذين هم في صفة العالمين المقربين و إن ضل عن سواء السبيل و سلك مسلك الضلال و الجهال يصير من جملة الشياطين أو يحشر في زمرة البهائم و الحشرات
فصل (١١) في طور آخر من تعديد القوى الإنسانية على منهج أهل البصيرة
قال بعض أهل العرفان إشارة إلى معنى قوله تعالى وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ إن لله تعالى في القلوب و الأرواح و غيرهما من العوالم جنودا مجندة لا يعرف حقيقتها و تفصيل عددها إلا هو و نحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب يعني النفس الناطقة و هو الذي يتعلق بغرضنا و له جندان جند يرى بالأبصار و هي الأعضاء و الجوارح- و جند لا يرى إلا بالبصائر و هي القوى و الحواس و جميعها خادمة للقلب و مسخرة له- و هو المتصرف فيها و قد خلقت مجبولة على طاعة القلب لا يستطيع له خلافا و لا عليه تمردا- فإذا أمر العين للانفتاح انفتحت و إذا أمر الرجل للحركة تحركت و إذا أمر اللسان بالكلام و جزم الحكم به تكلم و كذا سائر الأعضاء و تسخر الأعضاء و الحواس للقلب يشبه من وجه تسخر الملائكة لله تعالى فإنهم جبلوا على الطاعة لا يستطيعون له خلافا و لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون و إنما افتقر القلب إلى هذه الجنود- من حيث افتقاره إلى المركب و الزاد لسفره الذي لأجله خلق و هذا السفر إلى الله و قطع المنازل إلى لقائه فلأجله جبلت القلوب قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و إنما مركبه البدن و زاده العلم و إنما الأسباب الموصلة التي توصله إلى الزاد و تمكنه من التزود و العمل الصالح فافتقر أولا إلى تعهد البدن و حفظه من الآفات بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء و غيره و بأن يدفع عنه ما ينافيه و يهلكه