الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٢٩
ففات عنهم الحق و الخلق جميعا إذ الخلق طريق إلى الحق فمن أبطل الطريق و ضل عن سواء السبيل فكيف وصل إلى الحق فلا جرم قد حشروا أعمى العينين مطلقا- بعد ما كان لهم قوة البصر و إمكان النظر إذ لم ينظروا في آيات الله و حكمته و لم يتفكروا في صنع الله و عنايته فيكون حالهم يوم القيمة كما حكى الله بقوله وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
فصل (٨) في الإشارة إلى تعديد القوى النفسانية و ما دونها على سبيل التصنيف
و معنى التصنيف هاهنا
أن هذه القوى لا يتميز بعضها عن بعض بفصول ذاتية كما في الأنواع النباتية و الحيوانية بل امتيازها بعوارض إنسانية من تقدم بعضها على بعض و استخدام بعضها قبل بعض و هذه القوى بمنزلة أجزاء النفس الإنسانية قبل أن صدرت و انبسطت عنها و انفصلت في أجزاء البدن كل قوة في موضع يليق بها- فتنقسم النفس أولا إلى أجزاء ثلاثة هي نفوس ثلاثة في مواضع أخرى نفس نباتية موضعها الكبد و نفس حيوانية موضعها القلب [١] و نفس إنسانية سلطانها في الدماغ- و هذه النفوس متعاقبة في الحدوث و البقاء فالجزء النباتي يحدث أولا ثم الحيواني ثم الإنساني و الأولان ينعدمان بفساد المزاج و بطلان الاستعداد دون الجزء الإنساني- فإنه يبقى في النشأة الآخرة إذ ليس حدوثه بواسطة الاستعداد و تعديل المزاج بل هو أمر رباني و سر سبحاني و نسبته إلى الحق نسبة الضوء إلى المضيء بالذات- فالروح باق ببقاء الله كما ستعلم في مقامه.
و الغرض هاهنا الإشارة إلى تقسيم القوى و ترتيبها.
[١] بل قال الطبيعيون موضعها الدماغ لأن النفس الحيوانية متشعبة إلى الحساسة و المحركة و كلتاهما في الدماغ و النفس الإنسانية لا موضع لها كما أشار إليه بقوله سلطانها في الدماغ نعم القوة الحيوانية التي بها قبض القلب و الشراءين و بسطهما و تدبير الروح الذي فيهما في القلب كما قالوا و سيجيء الكلام في تلك القوة، س ره