الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٢٦
لأنها كالواسطة و الخليفة في فيضان تلك الأمور من المبادي و لا بد للواسطة أن ينوب مناب المبدإ الأصل في أن يتضمن ما يصدر عنه على وجه أعلى و أشرف و اعلم أنا لم نذهب إلى أن الأول تعالى و لا العقول الفعالة محل لارتسام صور المعقولات بل ذهبنا إلى أن كل عاقل بالفعل يتحد [١] بالمعقولات كما ذهب إليه بعض القدماء و بينا ذلك على وجه الإحكام و الإتقان بما لم يبق فيه مجال ريب و شبهة فثبت من ذلك أن كل قوة عالية توجد فيها جميع ما هو دونها على وجه أعلى و أبسط و الحكماء مع اتفاقهم على أن مبدع الكل ذات واحدة بسيطة غاية الوحدة و البساطة و مع بساطته على هذا الوجه الأكيد الشديد هو خالق الأبدان و الأعضاء الحيوانية و إن شئت فارجع إلى ما ذكروه في باب عنايته تعالى بالأشياء و إلى كتاب منافع الأعضاء لجالينوس و إلى كتاب بقراط و أفلاطون و سائر كتب التشريح حتى تعلم أنهم متفقون على أن فاعل الأبدان و الأعضاء هو الله سبحانه و لا ينافي ذلك إثباتهم الوسائط العقلية و القوى النفسانية و الآلات الطبيعية على حسب جريان قضاء الله و قدره إذ ليس من دأب الحكيم مباشرة الكنس و دفع الفضولات و مزاولة المزابل بل فعله الخاص هو الحكم و الأمر و الهداية و القضاء و الإنزال و الإرسال دون الحركات و الانفعالات و من عزل الوسائط عن أفاعيلها فما قدر حق قدر عظمة الله كما قال تعالى وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ الآية.
زيادة تنوير و تصوير:
و اعلم أن الصور الجزئية الجسمانية حقائق كلية موجودة في عالم أمر الله و قضائه كما قال الله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فالخزائن هي الحقائق الكلية العقلية- و لكل منها رقائق جزئية موجودة بأسباب جزئية قدرية من مادة مخصوصة و وضع مخصوص و زمان و أين كذلك فالحقائق الكلية موجودة عند الله بالأصالة و هذه
[١] و ذلك الاتحاد هنا انطواء وجود الكل في بسيط الحقيقة، س ره