الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٠٧
الإنسانية إذا خرجت من القوة إلى الفعل إما في السعادة العقلية الملكية أو في الشقاوة [١] الشيطانية أو السبعية أو البهيمية انتقلت عن هذه النشأة إلى نشأة أخرى بالطبع و إذا ارتحلت عن البدن عرض الموت و هذا هو الأجل الطبيعي المشار إليه في الكتاب الإلهي- كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ* و هو غير الآجال الاخترامية التي تحصل بعروض الأسباب الاتفاقية و القواطع القسرية و بالجملة الموت طبيعي للبدن و معناه مفارقة النفوس إياه مفارقة فطرية و ترك استعمالها للبدن لخروجها من القوة إلى الفعل بحسب نشأة ثانية- و صيرورتها إما سعيدة فرحانة مسرورة بذاتها كالملائكة و إما شقية محترقة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة كالشياطين و الأشرار و إما مغفورة بغفران الله سليمة الصدر عن الأغراض و الغشاوات و أما سائر النفوس [٢] الحيوانية فهي محترقة بنيران الطبيعة ما دامت السماوات و الأرض إلا ما شاء الله فينجو من العذاب و يتخلص من العقاب فمثل الدنيا كالمزرعة و أرحام النسوان كالحرث نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ و النطف في الأرحام كالبذور في المزارع و الولادة كالنبت و أيام الشباب كالنشوء و أيام الكهولة كالنضج و أيام الشيخوخة كاليبس و الجفاف و بعد هذه الحالات لا بد من الحصاد و هو الموت و زمان القبر و الصراط كالبيدر فكما أن البيادر يجمع فيها الغلات من كل جنس و تداس و تنقي و ترمي القشور و التبن و الورق من الثمر و الحب و يجعل بعضها علفا للدواب و حطبا للنيران و بعضها لبوبا صالحة فهكذا يجتمع في الآخرة الأمم كلهم من الأولين و الآخرين من كل دين قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ و ينكشف الأسرار يوم تبلى السرائر و يميز الله الخبيث من الطيب فيجعل الله الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم و ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء و لا هم يحزنون و هذا كله مستفاد من قوله تعالى في عدة مواضع من كتابه الكريم
و من قول نبيه ع: الدنيا مزرعة الآخرة
فهذا بيان حكمة
[١] أي إنها كمال تكويني في جانب مظهرية القهر و إن كانت نقصا حسب التكليف- فالنفس تغني في جانب اللطف أو القهر عن استعمال البدن الطبيعي، س ره
[٢] أي الإنسية المتصفة بصفات الحيوانات الصامتة ليس لها النار المعنوية بل هي محترقة إلخ، س ره