مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٣١٣
مصامّها، نتمسك بها أبداً ما أبقانا، وندخرها لأهاويل ما يلقانا[١].
٨٤٦٠/٨٧ ـ دخل ضرار بن ضمرة الليثي على معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية: صف لي علياً، فقال: أو لا تعفيني عن ذلك، فقال: لا أعفيك.
فقال: كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه ويناجي ربه، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب، كان والله فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه، وكنا مع دنوه منا وقربنا منه لا نكلمه لهيبته ولا ترفع أعيننا اليه لعظمته، فإن تبسم فعن (ظهر أسنانه) مثل اللؤلؤ المنظوم، يقرّب أهل الدين ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم (السقيم) ويبكي بكاء الحزين، فكأني ألآن أسمعه وهو يقول:
يادنيا يادنيا أبي تعرضت أم إليّ تشوقت هيهات هيهات غري غيري لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير وأملك حقير، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق وعظم المورد، فسالت دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمه، واختنق القوم بالبكاء، ثم قال: كان والله أبو الحسن علي كذلك، فكيف صبرك عنه ياضرار؟ قال: صبر من ذبح ولدها على صدرها، فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حرارتها، ثم قام فخرج وهو باك، فقال معاوية أما إنكم لو تفقدوني لما كان منكم من يثني عليّ مثل هذا الثناء، فقال بعض من كان حاضراً: