مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ١٠٦
خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مؤاساة ومؤازرة.
فسألته عن مجلسه؟ فقال: كان (صلى الله عليه وآله) لا يجلس ولا يقوم إلاّ على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كلّ جلسائه نصيبه، ولا يحسب من جلسائه أنّ أحداً أكرم عليه منه، من جالسه صابره حتّى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرجع إلاّ بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه خلقه وصار لهم أباً وصاروا عنده في الخلق (في الحق) سواءً، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة، ولا ترتفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم (أي لايعاب الناس في مجلسه ولا تنتهك الحرمات فيه) ولا تنثى فلتاته، متعادلين متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقّرون الكبير ويرحمون الصغير ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
فقلت: كيف كانت سيرته في جلسائه؟ فقال: كان دائم البشر سهل الخلق ليّن الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلّم إلاّ في ما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلّم أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلاّ من مكافئ، ولا يقطع على أحد كلامه حتّى يجوز