مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ١٤٧
من الظلمة، فقال الله عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي لا أحجب بيني وبينك في وقت من الأوقات كذلك أفعل بأحبّائي.
يا أحمد هل تدري أيّ عيش أهنأ وأيّ حياة أبقى؟ قال: اللّهمّ لا، قال: أمّا العيش الهنيء السائغ وما أتاك بلا مشقّة فهو الذي لا يغتر صاحبه عن ذكري ولا ينسى نعمتي ولا يجهل حقّي، يطلب رضاي في ليله ونهاره، وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا وتصغر في عينه، وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه ويبتغي مرضاتي ويعظم حقّ عظمتي ويذكر علمي به، ويراقبني بالليل والنهار عند كلّ سيّئة أو معصية، وينقّي قلبه عن كلّ ما أكره ويبغض الشيطان ووساوسه ولا يجعل لابليس على قلبه سلطاناً وسبيلا، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّاً حتى أجعل قلبه لي وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي، وأفتح عين قلبه وسمعه حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي، واُضيّق عليه الدنيا واُبغّض إليه ما فيها من اللذّات واُحذّره من الدنيا وما فيها كما يُحذّر الراعي غنمه من مراتع الهلكة، فإذا كان هكذا يفرّ من الناس فراراً، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن.
يا أحمد لاُزيّننّه بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهنيء والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين، فمن عمل برضاي ألزمه ثلاث خصال: اُعرّفه شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين، فإذا أحبّني أحببته، وأفتح عين قلبه إلى جلالي ولا اُخفي عليه خاصّة خلقي، واُناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، واسمعه كلامي وكلام ملائكتي، واُعرّفه السرّ الذي سترته عن خلقي.
وألبسه الحياء حتّى يستحي منه الخلق كلّهم ويمشي على الأرض مغفوراً له،