مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٤٣
فكان الشيطان يجيء ويحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي، ويقول: قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفساً وقروا عيناً، فيرفعون رؤسهم عند ذلك ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف، ويأخذون الدستبند فيكون على ذلك يومهم وليلتهم، ثم ينصرفون.
وإنما سمت العجم شهورها بآبان ماه وآذر ماه وغيرهما إشتقاقاً من أسماء تلك القرى لقول أهلها بعضهم لبعض: هذا عيد شهر كذا، وعيد شهر كذا حتى إذا كان عيد شهر قريتهم العظمى، اجتمع اليه صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقاً من ديباج عليه من أنواع الصور، له إثنا عشر باباً كل باب لأهل قرية منهم، ويسجدون للصنوبرة خارجاً من السرادق، ويقربون لها الذبائح أضعاف ما قربوا للشجرة التي في قراهم، فيجئ إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكاً شديداً، ويتكلم من جوفها كلاماً جهورياً ويعدهم ويمنّيهم بأكثر ما وعدتهم ومنّتهم الشياطين كلها، فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلمون من السرور والفرح (الشرب والعزف)، فيكونون على ذلك اثني عشر يوماً ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون.
فلما طال كفرهم بالله عزّ وجلّ وعبادتهم غيره، بعث الله عزّ وجلّ اليهم نبياً من بني إسرائيل من ولد يهود بن يعقوب فلبث فيهم زماناً طويلا، يدعوهم إلى عبادة الله عزّ وجلّ ومعرفة ربوبيته، فلا يتبعونه، فلما رأى شدة تماديهم في الغي والضلال، وتركهم قبول ما دعاهم اليه من الرشد والنجاح، وحضر عيد قريتهم العظمى، قال: يارب إن عبادك أبوا إلاّ تكذيبي والكفر بك، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر، فأيبس شجرهم أجمع، وأرِهم قدرتك وسلطانك فأصبح القوم وقد يبس شجرهم، فهالهم ذلك، وقطع بهم، وصاروا فرقتين: فرقة قالت: سحر آلهتكم هذا