مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ١٨
وليس له علم ولا حكمة، وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوت منها، وكان تنوخا رجلا حطاباً يحتطب على رأسه ويأكل من كسبه، وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا، لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته، فلما رأى يونس أن قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون ضجر وعرف من نفسه قلة الصبر، فشكى ذلك إلى ربه، وكان فيما يشكي أن قال: يارب انك بعثتني إلى قومي ولي ثلاثون سنة، فلبثت فيهم أدعوهم إلى الايمان والتصديق برسالاتي وأُخوفهم عذابك ونقمتك ثلاثاً وثلاثين سنة فكذبوني ولم يؤمنوا بي، وجحدوا نبوتي، واستخفوا برسالاتي وقد تواعدوني وخفت أن يقتلوني، فأنزل عليهم عذابك فانهم قوم لا يؤمنون. قال: فأوحى الله إلى يونس:
أنّ فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين، وأنا الحكم العدل، سبقت رحمتي غضبي لا اُعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك، وهم يايونس عبادي وخلقي وبريتي في بلادي وفي عيلتي، أحب أن أتأناهم وأرفق بهم وأنتظر توبتهم، وإنما بعثتك إلى قومك لتكون حيطاً عليهم، تعطف عليهم لسخاء الرحمة الماسة منهم، وتأناهم برأفة النبوة، فاصبر معهم بأحلام الرسالة، وتكون لهم كهيئة الطبيب المداوي العالم بمداواة الدواء، فخرقت بهم ولم تستعمل قلوبهم بالرفق ولم تسسهم بسياسة المرسلين، ثم سألتني عن سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك، وعبدي نوح كان أصبر منك على قومه، وأحسن صحبة وأشد تأنياً في الصبر عندي، وأبلغ في العذر، فغضبت له حين غضب لي وأجبته حين دعاني.
فقال يونس: يارب إنما غضبت عليهم فيك، وإنما دعوت عليهم حين عصوك، فوعزتك لا أتعطف عليهم برأفة أبداً ولا أنظر اليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم وتكذيبهم إياي، وجحدهم نبوتي، فأنزل عليهم عذابك فانهم لا يؤمنون أبداً.