مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ١٤٤
فلو رأيت الملائكة كيف يأخذ بها واحد ويعطيها الآخر.
يا أحمد إنّ أهل الآخرة لا يهنؤهم الطعام منذ عرفوا ربّهم، ولا تشغلهم مصيبة منذ عرفوا سيّئاتهم، يبكون على خطاياهم، يتعبون أنفسهم ولا يريحونها، وأنّ راحة أهل الجنّة في الموت، والآخرة مستراح العابدين، مونسهم دموعهم التي تفيض على خدودهم، وجلوسهم مع الملائكة الذين عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومناجاتهم مع الجليل الذي فوق عرشه، وإنّ أهل الآخرة قلوبهم في أجوافهم قد قُرِحَت يقولون: متى نستريح من دار الفناء إلى دار البقاء.
يا أحمد هل تعرف ما للزاهدين عندي (في الآخرة)؟ قال: لا يا ربّ، قال: يبعث الخلق ويناقشون بالحساب، وهم من ذلك آمنون، إنّ أدنى ما اُعطي للزاهدين في الآخرة أن اُعطيهم مفاتيح الجنان كلّها حتّى يفتحوا أيّ باب شاؤوا ولا أحجب عنهم وجهي، ولاُنعمنّهم بألوان التلذّذ من كلامي، ولاُجلسنّهم في مقعد صدق واُذكرنّهم ما صنعوا وتعبوا في دار الدنيا، وأفتح لهم أربعة أبواب: باب تدخل عليهم الهدايا منه بكرةً وعشياً من عندي، وباب ينظرون منه إليّ كيف شاؤوا بلا صعوبة، وباب يطّلعون منه إلى النار فينظرون منه إلى الظالمين كيف يعذّبون، وباب يدخل عليهم من الوصايف والحور العين، قال: يا ربّ من هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم؟ قال: الزاهد هو الذي ليس له بيت يخرب فيغتمّ بخرابه، ولا له ولد يموت فيحزن لموته، ولا له شيء يذهب فيحزن لذهابه، ولا يعرفه إنسان يشغله عن الله طرفة عين، ولا له فضل طعام ليسأل عنه، ولا له ثوب ليّن.
يا أحمد وجوه الزاهدين مصفرّة من تعب الليل وصوم النهار، وألسنتهم كلال إلاّ من ذكر الله تعالى، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة ما يخالفون أهواءهم، قد أضمروا أنفسهم من كثرة صمتهم، قد أعطوا المجهودة من أنفسهم لا من خوف نار ولا من شوق جنّة، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض فيعلمون أنّ