شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ١٥٨ - جامع أبواب شرف النبي (صلى الله عليه و سلم) في القرآن الكريم باب ما خص به النبي (صلى الله عليه و سلم) من الشرف في القرآن
فلما عرج بالنبي (صلى الله عليه و سلم) ليلة المعراج و انتهى من القربى إلى اللّه بمكان كما قال عزت قدرته: ثُمَّ دَنا محمّد (صلى الله عليه و سلم) إلى ربه جلّ ذكره فَتَدَلَّى فقرب بالجاه لا بالمكان، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ من قسي العرب أَوْ أَدْنى بل أدنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ محمد (صلى الله عليه و سلم) ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ فؤاد محمد (صلى الله عليه و سلم) ما رَأى الذي رأى محمد (صلى الله عليه و سلم) ربّه بقلبه، و يقال: ببصره، و هذا جواب القسم.
فلما أخبرهم النبي (صلى الله عليه و سلم) بذلك كذّبوه، فنزل قوله تعالى: أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى أ فتكذبونه على ما قد رأى محمد (صلى الله عليه و سلم)، و إن قرأت بالألف يقول:
أ تجاحدونه على ما قد رأى؟ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى مرة أخرى غير التي أخبركم بها عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى التي ينتهي إليها كل ملك مقرّب و نبي مرسل، و يقال: ينتهي إليها علم كل ملك مقرب و نبي مرسل و عالم راسخ، عِنْدَها عند سدرة المنتهى جَنَّةُ الْمَأْوى تأوي إليها أرواح الشهداء إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما يعلو: نور، و يقال: ملائكة، ما زاغَ الْبَصَرُ ما مال بصر محمد (صلى الله عليه و سلم) يمينا و شمالا مما رأى وَ ما طَغى ما تجاوز عما رأى.
فلما جاوز النبي (صلى الله عليه و سلم) السماوات السبع و الحجب كان جبريل (عليه السلام) معه في كل ذلك، و انتهى إلى حجاب موقف جبريل (عليه السلام)، فوقف جبريل (عليه السلام)، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): ما لك يا جبريل وقفت؟ فقال: يا محمد، و ما منا إلا له مقام معلوم، قد جاوزت من مقامي لجلالتك مقدار خمسمائة عام، تقدم فإنك أكرم على اللّه مني، فتقدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى انتهى إلى يمين العرش، فوق السماء السابعة، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى من عجائب- قال: فوضع عنهم الخطأ و النسيان رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً الآية، قال: فلم يكلفوا ما لم يطيقوا، و لم يحمل عليهم الإصر الذي جعل على الأمم قبلهم، و عفا عنهم و غفر لهم و نصرهم.