وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٨ - مصلى العيد بالصحراء
انمحى. و ابتداء ولاية السلطان حسن المذكور في سنة ثمان و أربعين، و استمر إلى أثناء سنة اثنتين و ستين و ستين و سبعمائة، و هذا المسجد بابه في حائطه الشامي قريبا من محاذاة محرابه، و من خارج بابه على يمين الداخل منه درج يصعد إلى موضع لطيف على ميمنة الباب المذكور، و قد أصلح ما تشعّث من هذا المسجد الأمير بردبك المعمار سنة إحدى و ستين و ثمانمائة في دولة الأشرف إينال، و أحدث لذلك الموضع المتقدم وصفه في ميمنة الباب المذكور درجة أخرى يتوصل بها إليه من داخل المسجد، و ذلك الموضع هو الذي يقوم عليه الخطيب في يوم العيد، و أحدث الأمير بردبك أيضا أمام ذلك الموضع من خارج المسجد مسقفا ليجلس عليه المبلغون أمام الخطيب، و في يوم العيد يجتمع أهل السنة من أهل المدينة و أعيانهم بالمصلى المذكور، بحيث لا يبقى خارجه من أهل السنة إلا اليسير مع شيخ الخدام و جماعته، لأن العادة جرت بأن يكون صفهم أمام الخطيب في الجمعة و العيد؛ لما ذكره البدر ابن فرحون من أن أول قاض ولي لأهل السنة القاضي الإمام العلامة السراج عمر بن أحمد الخضر سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة في دولة المنصور قلاوون الصالحي، و كان القضاة قبل ذلك من الشيعة آل سنان، و كانت الخطابة بأيديهم، فانتزع السلطان المشار إليه ذلك منهم للسراج، فكانوا يؤذونه أذى شديدا.
قال ابن فرحون: أدركت من أذاهم له أنهم كانوا يرجمونه بالحصباء و هو يخطب على المنبر، فلما كثر ذلك منهم تقدم الخدام و جلسوا بين أيديهم أمام المنبر، فذلك هو السبب في إقامة صفّ الخدام قبالة الخطيب، و خلفهم غلمانهم و عبيدهم. اه.
و قد استمر ذلك إلى اليوم، فإذا صلى الإمام بأهل المسجد المذكور صلاة العيد انصرف، و خرج من بابه المذكور مخترقا للصفوف متخطّيا للرقاب إلى أن يصعد في أعلى تلك الدرج، فيستدبر القبلة و يستقبل جهة الشام على عادة الخطباء، ثم يخطب هناك، فيصير جميع من في المسجد خلف ظهره، ثم إن أهل المسجد يستدبرون القبلة و يستقبلون ظهره و غالب من يصلي خارج المسجد لا يشاهده أيضا لحيلولة المسقف المحدث أمام ذلك الموضع، و هذا كله مخالف للسنة، و لما ثبت من فعله (صلّى اللّه عليه و سلم) في هذا المحل من قيامه في مصلاه مستقبلا للناس و هم على صفوفهم كما سنوضحه، و من زعم أن هذا الوضع في محل قيام النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أنه صلى بذلك المحل على هذه الصفة الموجودة اليوم فقد أخطأ خطأ عظيما و أساء الأدب، فكيف يظن به (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه ينصرف عن أصحابه حتى يستدبرهم أو الكثير منهم ثم يخطب لهم؟ و تترك الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) طلعته البهية و يرضون باستدباره (صلّى اللّه عليه و سلم) مع قيامه لمخاطبتهم، و هم أعظم الناس أدبا و حرصا على رؤيته الشريفة، و كيف يتفق علماء الإسلام على أن السنة خلاف ذلك كما سيأتي؟ فالمتعين تغيير هذه الهيئة، و الله أعلم.