وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٨ - حرق مسجد الضرار
[مسجد الضّرار]
ما جاء في مسجد الضّرار مما ينوّه بقدر مسجد قباء بناة مسجد الضرار
روى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً [التوبة: ١٠٧] هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدّا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم، و استعدوا بما استطعتم من قوة و من سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فات بجند من الروم، فأخرج محمدا و أصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقالوا: إنا فرغنا من بناء مسجدنا فنحبّ أن تصلي فيه و تدعو بالبركة فأنزل الله عز و جل:
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ١٠٨] يعني مسجد قباء أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ إلى قوله: عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ يعني قواعده وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة: ١٠٩].
و روى ابن شبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لية، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدّا، فقال أهل مسجد الضرار: أ نحن نصلي في مربط حمار لية؟ لا، لعمر الله، لكنّا نبني مسجدّا فنصلي فيه حتى يجئ أبو عامر فيؤمّنا فيه، و كان أبو عامر فرّ من الله و رسوله فلحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها، فأنزل الله تعالى: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً الآيات.
و عن سعيد بن جبير أن بنى عمرو بن عوف ابتنوا مسجدّا، و أرسلوا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فدعوه ليصلي فيه، ففعل فأتاهم فصلّى فيه، فحسدهم إخوتهم بنو فلان بن عمرو بن عوف، يشك، فقالوا: لا، نبني نحن مسجدّا و ندعو النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فيصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا، و لعل أبا عامر يصلي فيه، و كان بالشام، فابتنوا مسجدّا، و أرسلوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ليصلي، فقام ليأتيهم، و أنزل القرآن وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ١٠٧ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ١٠٨ أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ١٠٩ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ [التوبة:
١٠٧- ١١٠]، قال: قال عكرمة: إلى أن تقطع قلوبهم وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ١١٠].
حرق مسجد الضرار
و أسند الطبري فيما قاله ابن عطية عن ابن إسحاق عن الزهري و غيره أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) «أقبل من غزوة تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه و بين المدينة ساعة من نهار، و كان