وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٠ - حكم الحمى
الولاة يولون عليه واليا منذ عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، يستعمله والي المدينة، حتى كان داود بن عيسى فنزله سنة ثمان و تسعين و مائة، و إنما تركه داود لأن الناس جلوا عنه للخوف ذلك الزمان، فلم يبق فيه أحد يستعمله عليه، قال الزبير: و ربما كتب إلى عبد الله بن القاسم و هو في ماله بنعف النقيع يقول لي: إن ناسا عندنا بالنقيع قد عاثوا في حمى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكلم الأمير يكتب في التشديد فيه.
و في رواية أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) «صلّى في موضع مسجده على موضع مقمل ثم بعده إلى ما بينه و بين يلبن من قاع النقيع».
و قال: فحمى لأفراس تغدو و تروح في سبيل الله، و مد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يديه، و قارب بينهما، و لم يضمهما، و حماه، و استعمل عليه جد أبي الحليس، فقال: يا رسول الله، أولادي النساء، و ليس معي غناء، قال: فقم بهن معك فاردد ما جاء من الحرة في الحرة، و اردد ما جاء من الصحرة في الصحرة، قال يعقوب المزني: ثم تزايد الناس بعد في الحمى، فحموا ما بين تراجم إلى يلبن، و اتخذوا المرابد يحبسون فيها ما رعى الحمى من الإبل، حتى رأيت بعضها يأكل دبر بعض، قال الزبير: و قال لي: لقد رأيت لأبيك أكثر من ثلاثة آلاف شاة بالنقيع، و هو إذ ذاك أمير المدينة، ما يرعى رعاؤه منها شيئا في الحمى، حتى يكتمل العشب و يبلغ نهايته، فيرسل عامل الحمى صائحا يصيح في الناس يؤذنهم باليوم الذي يأذن لهم يرعون الحمى، فيسرع فيه رعاء أبيك و الناس بدأ واحدة كفرسي رهان.
حكم الحمى
قلت: مقتضاه جواز رعي الحمى للناس إذا استووا فيه، و هو مخالف لمذهبنا؛ إذ لا يدخله سوى العاجز عن النّجعة من الناس.
قال الشافعي: قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا حمى إلا لله و رسوله» يحتمل معنيين:
أحدهما: ليس لأحد أن يحمى للمسلمين غير ما حمى (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فلا يكون لوال أن يحمى.
و الثاني: أنه لا يحمى إلا على مثل ما حمى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فللخليفة أن يحمى على مثل ما حمى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم).
و الثاني هو أظهر القولين، و هو قول الأزهري، و قال: يعني للخيل التي تركب في سبيل الله، و قيل: معناه ليس لأحد أن يحمى لنفسه إلا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإن ذلك من خصائصه، و إن لم يقع منه، و لو وقع لكان من مصالح المسلمين؛ لأن مصلحته مصلحتهم.
و قال في الأم: كان الرجل العزيز من العرب إذا استنجع بلدا مخصبا أوفى بكلب على جبل إن كان أو نشز إن لم يكن جبل، ثم استعواه و وقف له من يسمع منتهى صوته، فحيث بلغ صوته حماه من كل ناحية، و يرعى من العامة فيما سواه، و يمنع هذا من غيره لضعفي